تحقيق: أيهم اليوسف
رغم اتفاق الأصدقاء والتقاء آرائهم مع بعضها، نجد من يعترضون على القرارات الجماعية، ما يعكر جو الرحلة أو المشوار الذي يقومون به، كذلك بالنسبة إلى جو العمل، والأسر التي تعكس تصرفات أحد أبنائها خارج المنزل اعتراضاً على أي مواقف تتخذه . ويبين علم النفس أن هؤلاء يعانون ضعفاً في الشخصية وعدم ثقة بالنفس نتيجة قمعهم صغاراً من قبل الأهل، لذلك تظهر أفعالهم مغايرة للجميع من أجل إثبات الذات، ولكنها في الحقيقة سبب مباشر لنفور الآخرين منهم .
يشير سيف سعيد، خريج جامعي في الشارقة، إلى العلاقة القوية التي تربطه بأصدقائه لدرجة أنهم لا يخرجون إلى أي مكان إلا مع بعضهم بعضاً .
ويقول: مع بداية موسم الشتاء الماضي ذهبنا إلى رحلة برية، ورغم اتفاق كل الأصدقاء على ساعة الانطلاق وعلى البرنامج، قلب أحد أصدقائنا ترتيباتنا رأساً على عقب لعدم رضاه عن أي مكان نختاره لنخيم فيه، ثم أراد أن يغادرنا في قلب الصحراء، فلم نسمح بذلك خوفاً عليه، ومن تلك اللحظة بدأ يمتعض من كل نشاط نقوم به، فلم يشارك في أي عمل أو لعبة جماعية، واكتفى بالجلوس جانباً وقضاء وقته بألعاب هاتفه المتحرك .
ويضيف: "حاولنا فهم سبب انعزاله عنا، وعدم التفاعل معنا، لكنه كان ينفي ذلك مطلقاً، ويؤكد أنه مرتاح للانفراد بنفسه، ولا شيء يعكر مزاجه سوى الحاحنا عليه، لذلك تركناه ومضينا إلى أنشطتنا حتى حان الفجر وعدنا إلى بيوتنا" .
ويضيف: "رغم عودتنا إلى أجواء الصداقة الطبيعية لكن لم نتمكن من إقناع صديقنا الذي نغّص علينا الأجواء بأن يشاركنا في رحلة أخرى، لأنه رفض أن يرافقنا، ومن جهتنا شعرنا بالراحة لعدم وجوده معنا كي لا يكرر ذلك الموقف ثانية" .
رافي يوسف، تقني شبكات الانترنت في دبي، يقول: "منذ أن باشرت عملي وأنا وزملائي في العمل على موعد في نهاية كل شهر بعد تسلم الرواتب لارتياد بعض المراكز التجارية الكبيرة لشراء ما نحتاج إليه، ثم الجلوس في أحد المقاهي أو المطاعم لتغيير جو العمل والتخفيف من التعامل الرسمي مع بعضنا بعضاً في الشركة، ولم نشعر بأية مشكلات أثناء تلك الجولات، إلا بعد انضمام موظف، إذ تبين أن أفكاره تتطابق معنا وقررنا أن نصطحبه في جولتنا الشهرية، لكننا لم نعلم وقتها أنها الجولة الأخيرة التي يشاركنا فيها .
يضيف: "تمكنا خلال ساعتين من شراء ما نحتاج إليه، لكن زميلنا الجديد لم يقتنع بشراء أي شيء بحجة أنها إما غالية الثمن أو غير أصلية أو أن مقاس الملابس صغيرة أو كبيرة عليه، أو لم تعجبه ألوانها، وبقينا هكذا إلى منتصف الليل، ثم غادرنا المركز من دون أن يشتري أي شيء، كذلك لم يعد يسمح لنا الوقت بالاستمتاع معاً بسبب الإرهاق نتيجة التجول معه بين المحال التجارية . وفي الشهر التالي حاول أن يرافقنا، لكننا اضطررنا أن نخبره، بأننا غير عازمين على الخروج خلافاً للواقع، وهكذا إلى أن فهم أننا غير مستعدين لتحمله ما دام لا يتفق في سلوكياته مع تصرفاتنا .
يوضح حسن رمضان، موظف خدمة عملاء في شركة شحن جوي في دبي، أن نظام العمل معروف من قبل كل الموظفين، خصوصاً أن الشركة تجري دورة تدريبية قبل توظيف أي شخص لديها، ورغم سير العمل من دون أية مشكلة، تظهر مع تعيين موظف جدي لأنه كان يتوقف عند كل خطوة يقوم بها ويجد لها ألف عذر، ورغم محاولاتهم إقناعه أنه على خطأ، لم يكن يقتنع، بل يعرقل عمله وعملهم معه، إلى أن ضاقت صدورهم فشكوه للمدير .
يضيف، حاول المسؤول أن يتفهم وجهة نظره، لكن نفد صبره بعد محاولات فاشلة معه فقرر نقله إلى قسم آخر، ولكن بدأت المشاكل تظهر لديه مع بداية أول يوم هناك، ثم نقله إلى قسم ثالث، إلى أن تم تثبيته في أحد الأقسام التي لا يتطلب العمل فيها سوى الحضور وإدخال المعاملات إلى الحاسوب دون أن يقوم بأية عملية حسابية أو يبذل أي مجهود شخصي .
لا تخلو الأجواء الأسرية من مثل هذه النماذج، وتشير منيرة العبدالله، ربة منزل في الشارقة، إلى أنها توفر أفضل جو لأسرتها كي تنعم بالهدوء والراحة، وتقوم بتأمين كل طلباتهم، وبدورهم فإن زوجها وأبناءها يقدرون لها ذلك، ولا تحصل بينهم أية مشكلة، باستثناء خروجهم إلى زيارة إحدى الأسر أو إلى نزهة عائلية، إذ إن ابنها الأوسط يبدأ بإثارة المشاكل، وفي كل مرة يتشاجر مع واحد منا، وتبوء كل محاولاتنا لإرضائه بالفشل .
وتضيف: لم نجد إلى الآن سبباً مقنعاً لسلوكه الذي يتغير فجأة، ويتحول على أثره إلى شخص آخر لا يتحمل أي تصرف من أحد ويرد بشكل عنيف، لذلك نحاول مسايرته ما أمكننا كي يتخلص من هذه الحالة .
سوء فهم
نبيل المازم، رئيس قسم الخدمات المساندة لإدارة المدينة الجامعية في الشارقة، يقول: التغير الفجائي في سلوك الناس يحصل في أي مكان وزمان، وقد مرت عليّ مواقف كثيرة من هذا القبيل، وفضّلت أن أنبّه من يقوم بذلك بطريقة غير مباشرة، حفاظاً على مشاعره، وكي لا يشعر بالإحراج أمام الآخرين، والمشكلة مع من لا يفهم هذه الرسالة، وقتها يمكننا أن نتنحى به جانباً، ونبين له أنه مخطئ حين يتصرف بطريقة تزعج الآخرين" . ويضيف: "لا يشترط من يقوم بتنغيص الأجواء أن يكون متعمداً في تصرفه، لأنه قد يفعل ذلك من دون أن يفهم ما يقوم به، لذلك يستوجب التنبيه والمصارحة الشفافة كي لا يتكرر الموقف ثانية، خصوصاً لو كان هذا الشخص ذا حيثية، ولكن لديه بعض الصفات السلبية التي يجب على من حوله مساعدته للتخلص منها .
ترى فاطمة السجواني، اختصاصية نفسية في منطقة الشارقة التعليمية، أن الناس يختلفون عن بعضهم بعضاً من الصفات، لأن كل شخص يعبر عن ذاته ونشأته ومكونه البيولوجي الداخلي، ورغم ذلك فإن بعض الشخصيات متقاربة في صفاتها .
وتقول: أهم شروط نجاح الصداقة، تقارب الأفكار والطباع وتآلف الشخصيات، ولكن عندما يغيب التجاذب بينهم فمن الطبيعي أن ينغص أحدهم عليهم الأجواء، على مبدأ "خالف تعرف"، الذي تقف وراءه العديد من الأسباب، أهمها ضعف الشخصية منذ الصغر، الذي يرافقه الشعور بالنقص نتيجة إحباطهم من قبل الأهل، والانتقاد المستمر لتصرفاتهم، فيلجأ الطفل إلى المشاكسة وافتعال المشكلات، خصوصاً عندما يكون خارج البيت انتقاماً من أهله وتخفيفاً لحالة الإحباط التي يشعر بها" .
وتضيف: "ندعو الناس أن يرفعوا ثقة أطفالهم بأنفسهم، وأن نغير تصرفاتنا غير المقبولة من قبل المجتمع، لأنها قد تكون مقبولة في المراحل الأولى من العمر، لكن مع التقدم في العمر سوف تصبح عيباً" .