الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه أمهات المؤمنين، أرسله ربه الهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.
* الذي يعمل لله لا يعنيه أن يراه الناس، فهو مستغن بنظر الله إليه، والعطاء يوم القيامة على نوعية الأعمال لا كمية الأعمال الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، ولم يقل أكثر عملا.
إتقان العمل ليصبح في صورة صالحة للعرض على الله من صفات المحسنين، والمحسنون في معية الله ويحبهم الله. فهل نحن من المحسنين؟ اللهم اجعلنا منهم.
لما سأل جبريل نبينا عن الإحسان قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
كم من عمل خفي أتقنه صاحبه بعيدا عن أعين الناس ثقة ويقينا بأن الله يراه ويحب أن يطلع عليه وهو على طاعته وما يحبه ويرضاه، كم من دموع سالت من عيون في جوف الليل من خشية الله لم يرها أحد من خلق الله ولم يعلم بها أحد إلا الله، كم من صدقة خفية وصلت لأيدي مكروبين فنفست عنهم الكرب ولا يدرون من صاحب هذا المعروف؟
عن الأوزاعي أن عمر خرج في سواد الليل فرآه طلحة فذهب عمر فدخل بيتا ثم دخل بيتا آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت فإذا بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى؛ فقال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة أعثرات عمر تتبع؟
هكذا كانوا يربون أنفسهم ويتنافسون في طاعات خفية اكتفاء بنظر الله لهم، فالمرأة التي يخدمها عمر عجوز مقعدة لا يطمع فيها أحد، وهي عمياء لا تراه حتى تذكره للناس، فأي إحسان وإخلاص وتجرد لله في أروع صورة كهذه الصورة؟
* الإحسان من الفضل، ودرجة الفضل فوق العدل، فالعدل حقوق وقصاص والإحسان عفو وتجاوز، والله يحب المحسنين، وكلاهما أمر الله بهما: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، الأقرب والأحب إلى الله هو التجاوز عن المخطىء والعفو عن المسيء، وأحب خلق الله إلى الله أرحمهم بعباده، روي عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة، وعنده أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه، فأراد ميمون أن يضربها، فقالت الجارية: يا مولاي، قال الله تعالى: والكاظمين الغيظ قال لها: كظمت غيظي. قالت: والعافين عن الناس. فقال: قد عفوت عنك. فقالت الجارية: والله يحب المحسنين. قال ميمون: قد أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله تعالى.
قل من يعفو عن المسيء، والأقل منهم من يحسن إلى المسيء، وهؤلاء من الصفوة من خيرة عباد الله، وهذه هي أخلاق الأنبياء، ماذا فعل يوسف بإخوته لما ألقوه في البئر وهو صغير وهم عصبة من الرجال الأشداء؟ لم يرحموا شيبة أبيه الكبير ولا ضعف أخيهم الصغير، فلما تمكن منهم ماذا قال؟ لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
والمشهد نفسه في مكة تكرر مع النبي وقومه الذين طردوه وآذوه وعذبوا أصحابه فقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. هذه هي أخلاق المحسنين، الإحسان إلى الناس، ومن هم أقرب الناس إلى الإنسان؟ إنهم الوالدان: وبالوالدين إحسانا.
* بشرى اليوم للمحسنين هي أعظم البشريات كلها ألا وهي لذة النظر إلى وجه الله الكريم يوم القيامة وهذا موعود الله الذي لا يتخلف:
1- للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، روى الدارقطني وغيره عن أنس أن النبي سئل عن هذه الآية: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، فقال: للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم وبهذا فسرها أبو بكر وعلي وحذيفة وابن عباس وعبادة بن الصامت وغيرهم من الصحابة. وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل - وفي رواية ثم تلا - للذين أحسنوا الحسنى وزيادة.
في الجنة صحة بلا مرض ونعيم بلا بؤس وحياة بلا موت، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولكن هذا كله لا يساوي تلك النعمة وهي النظر إلى وجه الله جل جلاله، وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة.
2- نحن نقرأ القرآن فهل نحن في القراءة سواء؟ لا. الأجر على قدر الإحسان والإتقان في القراءة، كما تعلو الدرجات على قدر الفهم والتدبر لهذه التلاوة، ويعظم الأجر عند العمل بما قرأناه فهذا هو المقصود الأعظم من التلاوة.