أسس تونس القائد حسان بن النعمان الغساني عام 82ه، لتكون قاعدة عسكرية بحرية، ولتحول دون تكرار البيزنطيين الهجوم على قرطاجة.
بنى الغساني المدينة على أنقاض قرية قديمة عرفت باسم ترشيش، وسميت تونس لوجود صومعة الراهب، إذ كانت سرايا المسلمين تنزل بإزاء صومعته، وتأنس لصوت الراهب، فيقولون: هذه الصومعة تؤنس، فسميت تونس. واختار الغساني موقعها غربي البحر المتوسط بنحو عشرة أميال، وحفر قناة تصلها بالبحر، لتكون ميناء بحرياً ومركزاً للأسطول الإسلامي بعد أن أنشأ فيها صناعة المراكب، مستعيناً بخبراء في هذه الصناعة زوده بهم والي مصر عبدالعزيز بن مروان، بناءً على توجيه الخليفة عبدالملك بن مروان.
ويذكر د. علي محمد الصلابي في كتابه «حركة الفتح الإسلامي في الشمال الإفريقي»، أن المدينة بنيت طبقاً لأهداف سياسية استراتيجية، وأهداف اقتصادية اجتماعية تبناها الخليفة عبدالملك بن مروان، بعيدة المدى، ومن الأهداف السياسية، وضع حد لاعتداءات الروم والمتمثلة في إغارتهم على الساحل الإفريقي، وليس هناك أفضل من بناء قاعدة بحرية، بها صناعة قادرة على بناء أسطول مهمته صد العدوان الرومي بادئ الأمر، ثم الانتقال من مرحلة التصدي إلى الغزو والفتح فيما بعد، وطالب الخليفة، من والي مصر، إرسال ألفي شخص من مهرة الصناع لإقامة صناعة مراكب، وقام هؤلاء بالمهمة الموكلة إليهم خير قيام.
أما الهدف الاجتماعي فيتمثل في إيجاد المؤسسات القادرة على خدمة الأفراد، فأقام في المدينة المسجد الجامع، ودار الإمارة، وثكنات للجند للمرابطة، ونظم الخراج، واعتنى بالدعوة الإسلامية بين البربر، فأرسل الفقهاء ليعلموهم اللغة العربية والدين الإسلامي، وصارت المدينة معسكراً حربياً في البداية، ومركز استيطان وإدارة لدعم الفتوحات، وأخيراً مركزاً حضارياً وإشعاعاً فكرياً وعلمياً وثقافياً. وهكذا رسخ الخليفة عبدالملك بن مروان أقدام الدولة الأموية بتأسيس مدينة تونس، وقطع دابر الغارات بإيجاد مدينة إسلامية مرتبطة بالأهداف العليا للدولة.
كما عزَّزت الدولة الأموية القوة العسكرية بإنشاء سلاح البحرية، وأقامت داراً لصناعة السفن في تونس، وزودتها بما يلزمها من المواد والصناع، وتم وضع التنظيم اللازم وطريقة إمداد تلك الدار بالأخشاب من الغابات الإفريقية، واختيار جماعات من البربر للقيام بتلك المهمة، وهم أخبر الناس بمناطق وجود الأخشاب الجيدة الملائمة لتلك الصناعة، وفي تطور لاحق لصناعة السفن الحربية بالمدينة، قام والي تونس بتوسيع دار الصناعة بها، فشق قناة بين الميناء والمدينة بطول اثني عشر ميلاً، وشكلت هذه القناة ما يماثل اليوم أحواض بناء السفن أو الأحواض الجافة، وأصبحت مناطق دور صناعة السفن الحربية مناطق جذب سكاني.
الفتوحات الإسلامية
تعد تونس من أغنى المدن التاريخية بموروثها الحضاري في القارة الإفريقية، فمن أرضها انطلقت الفتوحات الإسلامية الأولى، ليشمل نور الإسلام الحنيف في تعاليمه السمحة وقيمه المعتدلة بلاد المغرب العربي. وامتزجت بتونس العديد من الحضارات التي تعاقبت على أرضها، فانصهرت حضارات البربر والفينيقيين والرومان والعرب المسلمين. إلا أن بصمات الحضارة العربية الإسلامية هي اليوم الأكثر بروزاً في المدينة القديمة، على امتداد أربعة عشر قرناً.. ولعل أهم ما يميز مدينة تونس القديمة كثرة الأبواب، حيث كان يحيط بها سور كبير تتخلله أبواب مقوسة على الطراز العربي الإسلامي، وكانت الأبواب تفتح صباحاً وتغلق في المساء لتنام المدينة في أمان. وعلى الرغم من اندثار السور القديم، إلا أن بعض أبوابها التاريخية مازالت شاهدة على أهمية الطراز المعماري، وأشهر هذه الأبواب «باب سعدون» و«باب منارة» و«باب الجديد» و«باب البحر» و«باب الأقواس».
وبين أسواق المدينة يرتفع أهم حرم في تونس، إنه جامع الزيتونة المعمور، حاضنة النوابغ ومُصدِّر العلماء والذي يمثل جزءاً أساسياً من المدينة القديمة، وككل المدن العربية فإن الجامع هو محور الحياة اليومية والدينية والتجارية فيها. ويعد جامع الزيتونة ثروة حضارية متميزة، وهو من روائع الحضارة العربية الإسلامية لتميزه بطراز معماري فريد، وزخرفة جعلت منه معلماً ومنارة إسلامية تشع على إفريقيا جنوباً والأندلس غرباً وإيطاليا شمالاً والوطن العربي شرقاً.