والأرجح أن الأمر لا يعود إلى ارتفاع منسوب الاحتفاء بالأدب قياساً على ما سبق، بل إلى أسباب أخرى تتعلق بالدعاية والتسويق الإعلامي للجهات المانحة، أو بالتعبير عن الهويات الوطنية والقومية، أو بحض المبدعين على الكتابة بهذه اللغة أو تلك لمنعها من التراجع والانحسار.
هكذا بدأت الجوائز الأدبية تتزايد باطراد ملحوظ وتتراوح قيمتها المادية بين الآلاف القليلة من الدولارات والأرقام العالية التي يمكن لها أن تكفي الكاتب غائلة العوز وتوفر له العيش بكرامة في السنين التي تعقب الجائزة.
وإذا كانت لهذه الظاهرة إيجابياتها الكثيرة والأكيدة، فإن الجانب السلبي منها ينقسم إلى قسمين اثنين: أولهما يتعلق بمصداقية الجهات المانحة وقدرتها على الفصل بين القيمة الإبداعية لنتاج الكاتب والاعتبارات السياسية والشخصية والإيديولوجية التي تملي على المحكمين والأمانات العامة للجوائز أن تمنح هذه الأخيرة لمن لا يستحقها، أو لمن لا يحتل موقع الصدارة بين المرشحين، أما الأمر الثاني فيتصل بتحول الجوائز المختلفة إلى طرائد دائمة لبعض الكتاب المهجوسين بالمال والشهرة، بما ينعكس سلباً على إبداعهم الذي يتطلب الإخلاد إلى ما هو أعمق من المكاسب العابرة.
ورغم الموقع المتقدم الذي باتت تحتله في العالم جوائز غونكور والبوكر وسرفانتس والأمير كلاوس، ومعها على الصعيد العربي جوائز مهمة أخرى، فإن جائزة نوبل، وبخاصة في شقها الأدبي، لا تزال الأرفع قيمة والأصعب منالاً والأكثر إسالة للعاب الشعراء والروائيين والمسرحيين وسائر المشتغلين بالكتابة.
كأنها في بعدها الرمزي هملايا الجوائز التي يتطلب تسلقها لياقة لغوية غير عادية وموهبة استثنائية يرفدها الكد والمثابرة والمجازفة بالحياة من أجل بلوغ الهدف، لذلك فهي منذ تأسيسها في مطالع القرن الفائت كانت، وما زالت لا قبلة أنظار المبدعين الأفراد وحدهم، بل قبلة أنظار الشعوب المختلفة التي رأت في الحصول عليها اعترافاً من قبل المركز الثقافي الغربي بثقافة هذا البلد أو ذاك، وهذه اللغة أو تلك.
واللافت في هذا السياق أن التغيرات الهائلة التي أصابت العالم على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها، لم تزعزع مكانة الجائزة وسطوتها المعنوية والمادية، ولم يظهر بين الجوائز الأخرى ما ينافسها مكانة وتأثيراً.
ومع ذلك، فإن من العسف بمكان أن تبدو الجائزة وكأنها المعيار الحاسم في الفصل بين الطامحين إلى نيلها، ومن العسف بمكان أن نرى أعضاء الأكاديمية السويدية بوصفهم «أنبياء» النقد المعصومين عن الأخطاء والأهواء.
صحيح أن اعتبار الكاتب لأدبه لا ينبع فقط من تقديره الشخصي لنفسه بل من تواطؤ، مضمر أو معلن، بين قرائه ونقاده ومتابعيه، ولكن الصحيح أيضاً أن قيمة المبدع لا يحددها عدد الجوائز التي نالها، ولا اتفاق ثلاثة محكمين أو أكثر على وضعه في الخانة التي يريدونها.
ولعل الزمن من جهته هو القاضي المؤهل أكثر من سواه لتحديد مكانة الكاتب، ومنحه التأشيرة الملائمة للعبور إلى الخلود.
وبالمفاضلة بين محكمي نوبل ومحكمة الزمن لابد للمرء أن يختار الثانية وينحاز إلى عدالتها.
وليس أبلغ في الدلالة على ذلك من كون عشرات الكتاب الذين حصلوا على الجائزة في مراحلها المختلفة قد تراجعوا إلى دائرة الظل، ولم يعد يأبه لأسمائهم ونتاجاتهم سوى بعض الدارسين ومؤرخي الأدب.
فمن يتذكر الآن الألمانيين تيودور مومسن ورودلف أوكن، والسويديين إريك كارلفلت وبار لاغركفيست، والنرويجي بيدرنس والأمريكي سول بيلو، والعشرات غيرهم ممن حصلوا على الجائزة؟ صحيح أن بعض الحاصلين عليها لا تزال أسماؤهم تزداد توهجاً في سماء الأدب، من أمثال طاغور وبيتس وتوماس مان وإليوت وبرنارد شو ونيرودا وماركيز، ولكن الصحيح أيضاً أن بعض من حرمتهم الجائزة من نعيمها هم أكثر قيمة بما لا يقاس من بعض الذين حظيوا بهذا النعيم.
فمن يستطيع أن يحذف عن خريطة الإبداع في العالم أسماء ليو تولستوي الروسي، وإبسن النرويجي، وكازانتزاكي اليوناني، وبورخيس الأرجنتيني؟ لست هنا بالطبع لأقلل من قيمة نوبل، ولا لأضرب مصداقيتها بالكامل، بل أردت فقط أن أشير إلى أن جائزة الكاتب الكبرى هي الذهب الذي يلمع في أعماقه، لا ذهب الجوائز الخلبى.
وإذا كانت الحرية شرطاً لازماً لكل إبداع فإن شرط الحرية بالمقابل يتمثل في الاستغناء عن كل سلطة سوى سلطة اللغة.
لهذا بدا كل من سارتر وباسترناك في رفضهما لجائزة نوبل أكثر مناعة وترفعاً وإخلاصاً لجوهر الكتابة من معظم الحائزين عليها.
شوقي بزيع