تبتكر الحياة أحزانها كما تبتكر مسراتها. وإذا كانت هذه الأخيرة متصلة في بعض وجوهها بالامتلاء وفرح الوجود الاحتفالي، فإن الأولى جاهزة دائماً لاحتلال المشهد ووراثة طقوسه العابقة بالسعادة في اللحظات المناسبة. هكذا يولد النقيض من أحشاء نقيضه الضدي ويصبح الألم وجهاً آخر للذة، فيما توزع الدموع نفسها بالتساوي بين الفرح المفرط والحزن المفرط. وفي أعقاب كل عيد أو عرس أو كرنفال جماعي تخلي السعادة أماكنها لأنواع مختلفة من الكآبة وتنسحب الغبطة على رؤوس أصابعها لتخلف وراءها شعوراً بوحشة الكائن وفراغه الداخلي. تماماً كما هو الحال في اللحظات التي تعقب الحب حيث يتم الهبوط بشكل حاسم عن ذرى الرغبات المأهولة بالنيران. وفي ضوء هذه الحقيقة أمكن لعلماء النفس أن يفسروا ظواهر الشعور بالاكتئاب الذي يصاحب العطل والأعياد والحفلات الصاخبة حيث يغرق الكثيرون في بحر من القنوط والخذلان وخواء الأعماق.

لست أتحدث هنا عن نظريات مزعومة أو فرضيات مجردة. فذلك ما يحدث لأي منا بعد الاستغراق في نوبة ضحك عاتية، أو العودة من سهرة صاخبة أو احتفال باذخ. ذلك أن النواة الصلبة للزمن الذي يوهم بالسعادة سرعان ما تتفكك وتترك وراءها طعم الرماد في الفم. أوليس الأمر نفسه هو الذي نعيشه، نحن معشر الكتّاب والشعراء، عند نهاية كل مؤتمر ثقافي أو مهرجان شعري حاشد؟ فما أن يبدأ اليوم الأخير من المهرجان ويشرع أول المدعوين بالمغادرة، حتى ينتاب المتبقين شعور داهم بالمرارة ما يلبث أن يتفاقم كلما غادر مدعو آخر. ولعل آخر المغادرين هو الذي يتجرع النصيب الأوفر من حنظل الزمان الشاغر. إذ سيكون عليه أن يتعايش لأيام أو لساعات مع الأماكن التي فرغت من الضجيج والضحكات وأعقاب الحيوات المغادرة.

وفي معرض بيروت الأخير للكتاب، قدّر لي أن أختبر مثل هذه المشاعر المثخنة بالأسى والتي سبق أن اختبرتها في معارض مماثلة وفي مهرجانات كثيرة للشعر. أعرف أن مثقفين وكتّاباً كثيرين من غير المترددين على معارض الكتب لا يعنيهم الأمر في شيء. ولكنني أعرف أيضاً أن كثراً آخرين من المدمنين مثلي على زيارة معرض بيروت، وهو المعرض الأم في بلاد العرب، ينتابهم في الساعات التي تسبق إقفال المعرض أو تليه إحساس محض بانتهاء مدة السماح الممنوحة لهم من الزمن، والنزول المباغت عن صهوة السعادة والرجاء الهانئ. فالمترددون اليوميون على المعرض يشعرون لأسبوعين من الزمن بأنهم منبتّون تماماً عن الشقاء الذي يتهددهم في الخارج، وعن الزلازل التي تضرب بلدانهم، كما عن المشكلات الحياتية التي يقعون تحت وطأتها. وهم حين يلجون باب المعرض الرئيسي يغوصون عميقاً في الأحشاء الدافئة لرحم الإبداع الإنساني، ويلتقون مع أعمق ما في ذواتهم من كنوز. وكثيراً ما تحمل لهم الأروقة المتقاطعة مفاجآت غير محسوبة حين يلتقون بأصدقاء وأحبة انقطعت أخبارهم منذ زمن بعيد، ثم يتعاهدون على استعادة ما انقطع بينهم من حبال المودة. أما قاعة الكافيتيريا فهي الفسحة الأجمل للقاءات وتبادل الأحاديث وتأسيس الصداقات أو إعادة تأهيلها، دون أن نغفل حفلات التوقيع التي يحشد لها كل كاتب ما أمكنه من المعارف وذوي القربى والأصدقاء والمتابعين.

في الساحات الأخيرة من أيام المعرض يبدأ الكثير من الناشرين بتوضيب إصداراتهم في صناديق مخصصة لهذه الغاية، ويُسمع عن بعد صوت اللفائف اللاصقة الذي يؤذن بارفضاض الاحتفال وإخلاء المكان من شاغليه. إذ ذاك لا يعود شيء على حاله كما كان من قبل، وتظهر الحيرة على الوجوه والزوغان في نظرات الزائرين الذين يفشلون في الحصول على الكتب التي أجلوا شراءها إلى اللحظات الأخيرة. الجالسون في الكافيتيريا يشعرون بدورهم بأن المكان تحتهم قد فقد صلابته وبات يتهيأ للفراغ الشامل الذي سيعمه عما قليل، وبأن فناجين القهوة الأخيرة التي يحتسونها قد فقدت مذاقها وعبقها بالكامل، خلافاً لما كانت عليه في الأيام السابقة. ثمة إحساس بالخواء ينتاب الجميع ويدفعهم إلى تبادل العناوين وأرقام الهواتف كمحاولة بائسة لدرء تبعات اللحظة القاسية، رغم أنهم يعلمون تمام العلم بأن لا أحد سيتصل بأحد، وأن مشاغل الحياة المضنية ستعيد كلاً منهم إلى عزلته السابقة.

وحده معرض العام التالي يمكن له أن يجمعهم في كنفه وتحت خيمته الواسعة، فيما لو أفلحوا في البقاء على قيد الحياة وسط الأهوال وجحيم الحروب والكوابيس التي تلفّهم من كل جانب.

شوقي بزيع