لا يرتبط الموت بمواعيد محددة أو فصول بعينها، بل هو يخبط خبط عشواء، وفق زهير بن أبي سلمى، وعلى غير موعد أو انتظار، باستثناء المصابين بأمراض قاتلة والمنتظرين نهايتهم بين لحظة وأخرى. ومع ذلك فقد ظل الشتاء، من بين سائر الفصول، مرتبطاً لدى العامة بفكرة الرحيل وانقضاء الأجل، وبخاصة بالنسبة للعجائز وكبار السن، الذين لا تملك عظامهم الهشة دفعاً للصقيع المتسرب إلى أجسادهم وأرواحهم من كل صوب.
وربما يقول قائل بأن التقنيات ووسائل التدفئة الحديثة لا تترك لهذه الفكرة الحزينة ما يسوغها، ولكن الأمر لا يتعلق بالدفء الجسدي وحده بل يتعداه إلى الداخل الإنساني، وبخاصة عند أولئك الذين فقدوا أحبتهم وشركاء حياتهم، وظلوا عزَّلاً ووحيدين في مواجهة الطبيعة الضارية.
في الشتاء تضيق المسافة بين الأرض والسماء التي تحتجب وراء كتل الغيوم السوداء. أمّا الأفق فيتقلص في بعض الأيام الماطرة بحيث لا يستطيع المرء أن يتبين الملامح القريبة للوجوه والبيوت والأشجار والدروب المحيطة به. وتتقلص مساحة القبة التي تغلف الأرض لتصبح شبيهة بالرحم أو القبر. فيما يشعر الناس أنهم معلقون بين وضعهم الجنيني وبين السديم البارد لغروب المصائر. وحيث تعرى الطبيعة من كل ما يسترها، وتبدو البيوت داكنة كالمدافن، ينكمش الإنسان على نفسه بانتظار انفراج ما، أو بصيص ضوء ينبعث من جهة الربيع المؤجل. لهذا السبب على الأرجح يرفض الكثيرون فكرة الموت في الشتاء، كما لو أنهم يريدون الفرار من الصقيع والمطر والعواصف التي تتهددهم من كل جانب، متناسين أن تجردهم من الحواس وحرارة الدم سيجعلهم بمنأى عن كل خطر مماثل.
وإذا كان البشر بوجه عام يعانون مثل هذه الأحاسيس الحزينة والقاتمة إزاء الشتاء، فإن الشعراء وبخاصة الرومانسيين منهم، رأوا فيه مرآة كهولاتهم الزاحفة وأعمارهم المعراة من شهواتها ومباهجها. وقد يكون الشاعر المصري صلاح عبدالصبور أحد أكثر الشعراء تبرماً بالشتاء ونوءاً تحت ثقل أعاصيره الزاحفة. وهو ما يظهر بوضوح في العديد من قصائد صاحب «الناس في بلادي» الذي طالما ربط بين شتاء الطبيعة وشتاء البشر، والذي كتب في إحدى قصائده المؤثرة: «ينبئني شتاء هذا العام أنني أموت وحدي/ ذات شتاء مثله، ذات شتاء/ ينبئني شتاء هذا العام أن داخلي/ مرتجف برداً/ وأن قلبي ميت منذ الخريف/ قد ذوى حين ذوت أول أوراق الشجر/ وأن كل ليلةٍ باردةٍ تزيده بُعْداً / في باطن الحجر.
ومع ذلك فقد يكون من أبواب المفارقة أن يحمل الشتاء إلى الشعراء الذين يخشونه نذر الكتابة وغيومها وأمطارها. ومن يقرأ سير الكتاب والمبدعين على اختلاف اهتماماتهم لابُد أن يلحظ في اعترافاتهم ما يشي بتفضيل الشتاء على الصيف واعتباره مع الخريف، الفصل النموذجي للكتابة والإلهام.
فالصيف بحرارته المرتفعة يطلق العنان للأجساد لكي تبحث عبر البحر أو السفر أو قمم الجبال عما يقيها من وطأة القيظ، كما أن اتساع أفقه المشهدي يحوله إلى وليمة شهية للبصر، فيما تنكفئ البصيرة إلى أدنى حدودها. وبخلاف ذلك يسدل الشتاء ستائره أمام البصر المنكفئ إلى الخلف، في ما تتكفل البصيرة بسد النقص، ويتحول الكون إلى غابة من الظلال والأخيلة التي لا حدود لمداراتها. كما أن هاجس الموت الذي ينتاب الكثير من المتشائمين في الشتاء يحوله البعض إلى هاجس مضاد لالتقاط إشارات الحياة المختزنة في باطن الأرض والكائنات التي تتهيأ للانبثاق.
ولعل فكرة الانبعاث نفسها تستند إلى التعاقب الضدي بين الشتاء - الموت والربيع - الحياة. وهو ما تتبعه جيمس فريزر بعمق بالغ في كتابه «الغصن الذهبي»، وما عكسته بوضوح أسطورة تموز أو أدونيس، الذي يموت في الشتاء مطعوناً بقرني الخنزير البري، ثم ينبعث في الربيع على شكل شقائق النعمان. وليس صدفة أن يحرص العديد من شعراء الحداثة اللبنانيين والعرب على تسمية أنفسهم بالتموزيين، في محاولة منهم، على مستوى «قيامة» الشعر العربي من سباته، للتماهي مع قيامة تموز من الموت. وهو ما عبر عنه خليل حاوي بوضوح في قصيدته الشهيرة «لعازر 1962»، حين هتف بلسان زوجة الرجل الذي أعاده السيد المسيح من الموت «من يظن الموت محواً/ خِلّه يحصي على البيدر غلاَّت الحصاد/ ويرى وجه حبيبي/ وحبيبي كيف عاد/ عاد لي من ظلمة الموت الكئيب». على أن بهجة خليل حاوي بعودة بطله الأثير لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما اكتشفت زوجة لعازر أن العائد إليها ليس سوى نصب تذكاري بارد للرجل الذي كانه، وسرعان ما أطلق حاوي رصاصات الرحمة على حلمه المزمن بالانبعاث.