إذا كان موضوع الموت قد رفد الشعر والأدب العالميين بأروع النصوص وأعمقها وأكثرها صلة بأسئلة الوجود الكبرى، فإن موضوع الشهادة والاستشهاد يدفع المشاعر الإنسانية إلى تخومها القصوى، وباللغة إلى ذرى احتدامها، وبالخيال إلى منتهى جموحه. ذلك أن الإنسان هنا لا ينتظر مصيره وقدره وحتفه المتأتي عن المرض أو الشيخوخة أو حادث داهم، بل هو الذي يذهب إلى مصيره، وهو الذي يصنع قدره بنفسه. مضحياً بهدية الحياة التي لا تمنح إلاّ مرة واحدة في هذه الدنيا، من أجل أن يهدي وطنه وأمته والإنسانية جمعاء مساحة أوسع من الأحلام والعيش بكرامة، تماماً كما فعل الجنود الإماراتيون في اليمن المكلوم، وهم يقدمون أنفسهم قرابين للحرية والعدالة ووحدة التراب العربي. وقد سمي الشهيد شهيداً، كما جاء في «لسان العرب» لأنه يشهد للحق في زمن الجحود والردة وسيادة الباطل ولأن «الله وملائكته شهود له في الجنة».

والشهادة من جهة أخرى هي نقيض للموت والعقم والاستسلام لبؤس العالم. وليس من باب الصدفة المجردة أن يدأب البشر عبر العصور على الربط بين الشهادة والحياة في عملية تبادلية يفضي من خلالها أحدهما إلى الآخر. فالأساطير من جهتها انبنت على ثلاثية الحياة - الموت - الحياة، بدءاً من ملحمة جلجامش السومري الذي كتبت فيه وفي صديقه أنكيدو، وهما يبحثان عن عشبة الخلود أصدق المراثي وألصقها بالوجدان الجمعي، مروراً بمراثي إيزيس لأوزيريس، وعشتار لتموز المطعون بقرني الثور قبل أن يعود إلى الحياة مع بدايات الربيع من كل عام، ووصولاً إلى آلاف المراثي التي سطّرها الشعراء عبر العصور تخليداً وتكريماً لأولئك الذين انزرعوا كالبذار وحبات القمح في باطن الأرض، لكي تتمكن السنابل من الإيناع والزهور من التفتح.
سيكون من الصعوبة بمكان أن نجمع في مقالة محدودة المساحة أبرز النصوص التي كتبت في رثاء الشهداء، أو حتى عناوين القصائد والمقطوعات التي نشرت في بطون الكتب، أو نقشت على نواصب الأضرحة، أو حفظها المهتمون وعشاق الشعر عن ظهر قلب. ولعل هذه الأمة هي من بين أكثر أمم الأرض تعرضاً للفجائع، وتشييعاً لقتلى الحروب، واحتفاءً بالشهداء، لأن الدماء التي سقطت فوق ترابها منذ قرون تكفي وحدها لتغذية الأنهار بما يلزمها من السيول، والمآقي بما يلزمها من النيران، والورود بما يلزمها من الاحمرار. وكان الشعراء جاهزين باستمرار لتلقف الأعمار الغضة التي تنقصف في ريعانها، والأجساد التي تشق الطريق إلى المستقبل. وحين خرج سليمان الحلبي قبل مئتين وخمسة عشر عاماً ليواجه بجرأة نادرة غزو نابليون لمصر ويقضي على قائد جيشه كليبر، قبل أن يسقط شهيداً، ألهب قرائح الشعراء بالكثير من قصائد الرثاء، ومن بينها قصيدة الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح التي يقول فيها: «جثتي في حلب العمياء/ في الفسطاط رأسي/ ودمي نهر الفراتْ/ وبلادي أمة منزوعة العينين في سوق الغزاة/ لم تعد تجدي طبول الكلمات». عمر المختار الذي أعدمه الإيطاليون شنقاً بعد سنوات من النضال الشاق في سبيل حرية بلاده. حظي هو الآخر باهتمام الشعراء العرب الذين رأوا فيه، وهو الشيخ المسن، رمزاً لحيوية الأمة التي تكالب ضدها الاحتلال والفقر والجهل. وعنه يقول شوقي، أمير الشعراء «لبَّى فضاء الأرض أمس بمهجة/ لم تخش إلاّ للسماء قضاءَ/ عضَّت بساقيْه القيود فلم ينؤ/ ومشت بهيكله السنون فناءَ/ تسعون، لو ركبتْ مناكب شاهقٍ/ لترجَّلَتْ هضباته إعياءَ».
وعلى امتداد القرن العشرين كادت المأساة الفلسطينية المتمادية أن تجعل من قصائد الفلسطينيين ملحمة واحدة من الحزن والغضب ومراثي الشهداء، بدءاً من قصيدة «الشهيد» لعبد الرحيم محمود التي تحولت إلى نشيد جماعي مفعم بالكرامة والأمل، والتي يقول فيها «لعمرك إني أرى مصرعي/ ولكنْ أغذُّ إليه الخطى/ أرى مقتلي دون حقي السليب/ ودون بلادي هو المبتغى». ووصولاً إلى صرخة محمود درويش المؤثرة: «هذا هو العرس الفلسطيني/ لا يصل الحبيب إلى الحبيب/ إلاّ شهيداً أو شريداً».
وعلى الصعيد العالمي قد تكون قصيدة الشاعر الإنجليزي و.ه. أودن في رثاء صديقه الطيار الذي قضى في الحرب العالمية الثانية في مواجهة النازيين، إحدى أجمل قصائد الرثاء التي حفظها الملايين عن ظهر قلب، لقدرتها على الجمع بين التفجع الصادق والصور المدهشة والصادمة، حيث يقول الشاعر مخاطباً العالم برمته: «أوقفوا جميع الساعات/ واقطعوا حبال الهاتف/ أخرسوا البيانو/ وعلى إيقاع طبلٍ مخنوق/ احملوا التابوت إلى الخارج/ دعوا النادبين يأتوا/ دعوا الطائرات تحلّق وهي تئنُّ فوق الرؤوس/ كاتبةً على السماء رسالة تقول (إنه مات)».

شوقي بزيع