د. انتصار البنا

لماذا نحن مهتمون بحقيقة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا؟ ليس لأن تركيا، من وجهة النظر العربية، دولة إسلامية عظمى ولها ثقلها الاقتصادي والعسكري الدوليين، وإن كان هذا بالضرورة حقيقة لا جدال فيها. ولكن لأن تركيا تعتبر حالياً مقر التنظيم الدولي للإخوان، ومركز القيادة لتنفيذ المشروع الإخواني في المنطقة العربية. وما أثبتته صيرورة وقائع الربيع العربي، فإن المشروع الإخواني لا يقل خطورة على الوطن العربي عن المشروع الإيراني أو المشروع الصهيوني. فكلها مشروعات قومية ترمي إلى السيطرة على المنطقة العربية وتقاسمها واستغلال مواردها وشعوبها.
مشهدان متوازيان جرى ضخهما في الوعي العربي الذي سهر حتى مطلع شمس يوم السبت 16 يوليو/ تموز 2016، وهو يتابع مجريات الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا. الأول هو خروج الشعب التركي إلى الشوارع والميادين العامة استجابة لنداء رئيسه رجب طيب أردوغان دفاعاً عن الديمقراطية وعن أصوات الشعب وخياراته التي حملتها صناديق الاقتراع. بدا فيها الشعب التركي شعباً متحضراً يتسامى عن خلافاته ومعارضته لأردوغان في سبيل إعلاء قيمة أكبر هي الديمقراطية.
المشهد الثاني هو صور الاعتداء على رجال الجيش من جنود وضباط بتعريتهم وضربهم وإهانتهم ؛ انتقاماً لخروجهم على الرئيس والعمل على الإطاحة به. بدا هنا الجيش التركي مسالماً ومستجيباً للضرب والإهانة ولم يواجه العنف بالعنف، وبدا الشعب التركي كارهاً لجيشه ومحتقراً لرجاله. كيف اتسق المشهدان المتناقضان وكيف تزاوجت القيم المتنافرة في تلك الليلة وضحاها؟ وكيف استساغ المواطن العربي تجرع المشهدين وكأنه يرتشف ماء بارداً عذباً؟
وبصرف النظر عن الجدل الذي أُثير حول مصداقية الانقلاب العسكري أو تدبيره من قبل أردوغان، فإن المشهد الذي استمر واستقر هو عملية تصفية لأجهزة الدولة التركية كلها من معارضي أردوغان، وممن يشتبه في (تعاطفهم) مجرد (التعاطف) مع الانقلاب. فحسب التصريحات التركية، حتى ساعة كتابة هذا المقال، فقد تم فصل أكثر من خمسين ألف تركي من سلك القضاء والجيش والتعليم والتعليم العالي وقوات الأمن ومجلس الوزراء وكافة وزارات الدولة التركية.
وأمام هذا المشهد، يغيب مشهد الشعب التركي الذي انتصر لقيمه الديمقراطية وخرج ليلة الانقلاب رفضاً للمساس بها. وهنا لابد من طرح السؤال الذي يفصل بين المشهدين المتناقضين وبين القيم المتنافرة: لماذا هب الشعب التركي للدفاع عن الديمقراطية حين تعرض أردوغان لمحاولة الانقلاب؟ ولماذا التزم الشعب التركي الصمت حين تعرضت الديمقراطية لأكبر عملية مصادرة يقوم بها أردوغان بتطهير جميع مفاصل الدولة من معارضيه؟
الجواب ستجده عند العرب! وما على المتابع إلا أن يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي العربية ليفاجأ بالهبة الإخوانية التي انبعثت من سكونها الذي أجبرت عليه، حين تحالفت أغلب الدول العربية مع الشعب المصري والجيش المصري لإسقاط نظام الإخوان في مصر الذي كان يمارس السلوك ذاته بتطهير أجهزة الدولة من قضاء وبلديات ووزارات دولة من المخالفين، وإحلال أعضاء الجماعة أو المتعاطفين معها محلهم. هب أعضاء التنظيمات الإخوانية العربية للدفاع عن أردوغان باعتباره قيادة إخوانية، واتهموا كل من تعاطف مع محاولة الانقلاب أو تحدث عن أخطاء أردوغان بأنه عميل إيراني و«إسرائيلي» وأمريكي وعدو للأمة. فحسب توصيفهم من وقف بجانب أردوغان فهو عربي مسلم خير، ومن وقف ضده فهو عدو حقود كاره للأمة موالٍ لأعدائها.
وليست بيانات القرضاوي وغيره من التكوينات والشخصيات الإسلاموية ببعيدة عن الاتجاه نفسه الرامي إلى تتويج رجب طيب أردوغان زعيماً إسلاموياً ديمقراطياً يحظى بحب شعبه وولائه وحب العرب المحبين للحداثة والديمقراطية والحرية!! لقد نصب أعضاء التنظيم الإخواني من أردوغان خليفة ولم يبق لهم ولغيرهم سوى البيعة السياسية والتسليم بزعامته التاريخية.
والعمق الشعبوي الذي أثبتته محاولة الانقلاب الفاشلة، يحمل الرئيس التركي مسؤولية كبيرة تجاه أنصاره وجماهيره في الوطن العربي، التي خرجت مؤيدة له في غزة وفي تونس وبين الجماعات المسلحة في سوريا، وفي فضاء وسائل التواصل الاجتماعي العربية. وقد يكون هذا مؤشراً على انبعاث موجة ثانية من النشاط الإخواني الذي تصدت له بعض الدول بموجب القانون. فالحالة الممنهجة للاستقواء الأردوغاني واستعادة الإعلان الفج عن تنظيم الصفوف الإخوانية في كل الوطن العربي، يصعب القبول بكونه مصادفة ويصعب إخفاء القلق الداخلي في ألا يكون لهذه الهبة ما بعدها، مثل ما حدث إبان هبات الربيع الكارثي الذي قذف بالإخوان إلى سدة الحكم وواجهة الحالة السياسية عام 2011. فماذا نحن فاعلون حينها؟
الذين خرجوا لنصرة أردوغان ضد الانقلاب العسكري هم في أغلبهم إخوان تركيا، وإن خرج معهم من تبنى الطرح الديمقراطي. ومن هبوا لنصرته في الوطن العربي هم الجسم الأصلي للتنظيم الإخواني وإن انجرف معهم غيرهم. وجميعهم رفضوا الانقلاب العسكري على أردوغان، وجميعهم باركوا انقلاب أردوغان على الدولة التركية. إنها الانتهازية الإخوانية والمزايدات الإخوانية.

[email protected]