معضلات عديدة ابتليت بها الأمة العربية مثل الجهل واختلال المنظومة الاجتماعية واهتزاز القيم. ومن أخطر المعضلات التي سببت نكبات حقيقية على الأمة العربية هو وجود بعض الأنظمة العربية التي تاجرت بالشعارات البراقة على حساب مستقبل شعوبها وسلامتها. تلك الشعارات التي لو حُكمت لواقعيتها ومصداقيتها لأدركنا أننا أمام مزاعم أرغمت شعوباً عربية عديدة على الرضوخ لها رغماً عنها.
في الجمهورية اليمنية، وقبلها في الجمهورية العربية اليمنية حكم علي عبدالله صالح أكثر من ثلاثين عاماً حكماً منفرداً لم يسمح فيه بتداول السلطة. وكان في كل مرة يتمكن، بفضل المستفيدين من نظامه، من إصدار قوانين تمكّنه من تمديد فترة حكمه التي كانت تنتهي. ولم يقدم نظام صالح لليمنيين شيئاً يذكر إلا ما تمنحه دورة الحياة الطبيعة من تطور. فقد بدّد ثروات اليمن وجرف كفاءاتها وأغرق البلاد في الجهل والفقر والمرض والقات. ودمّر دولة جنوب اليمن بعد الوحدة. وتحالف مع القوى المتطرفة من التنظيم الإخواني أو التنظيمات السلفية التي أسست لها مواقع راسخة لل «قاعدة» في اليمن ثم «داعش». ناهيك عن حرب الاستنزاف لست سنين مع الحوثيين التي كان لها ما بعدها.
وبعد ثورة التغيير التي اجتاحت اليمن في عام 2011م. صعدت قوى التنظيم الإخواني ، ثم تحالف علي صالح مع الحوثيين، خصومه السابقين، لإسقاط اليمن. ثم تعقدت الأمور أكثر ليتدخل التحالف العربي مساندا للشرعية ليدخل اليمن والتحالف في حرب مع الجماعات الانقلابية ؛ نتيجة الخطورة التي ستسببها هذه المنعطفات على أمن الخليج والمنطقة.
وما نتج عن الانقلاب على نظام علي عبدالله صالح من تغلب التنظيم الإخواني في اليمن ثم الحوثيين لا يعني أن نظام صالح كان هو النظام الأصلح وأنه يمثل حلاً أو مخرجاً لليمن من المأزق الذي هو فيه. بل إن نظام صالح هو من زرع بذور الخراب الذي صار اليمنيون يجنون ثماره دون ذنب. وفي سوريا مثل حزب البعث نموذجاً فجاً لحكم الحزب الواحد وحظر تأسيس أي حزب آخر. في سوريا كانت الشعارات تطلق كالأغنيات بكثافة وديمومة وصخب عالٍ. واجه نظام حزب البعث السوري معارضيه بقسوة وانتهاكات حقيقية لحقوق الإنسان. وكانت قضايا الاختفاء القسري والتصفيات الجسدية في سوريا وخارجها من القضايا المألوفة في سوريا. فلحد الآن هناك مئات الأسر لا تعرف مصير أبنائها منذ عشرات السنوات وترغب فقط في التأكد من وفاتهم للترحم عليهم لا أكثر. خلّف نظام البعث ثقافة الرعب في سوريا؛ نتيجة زرع عناصر المخابرات في كل زاوية في البلد وتضعضعت ثقة أفراد الشعب في نفسه؛ نتيجة انتشار الوشايات التي صارت تجارة رابحة لكل من يريد التقرب من النظام والتكسب منه.
وكان أخطر تحول عربي أقدم عليه حزب البعث السوري، هو تنصيب بشار الأسد رئيساً للجمهورية خلفاً لوالده حافظ الأسد. وإجراء تعديل دستوري سريع ينص على خفض عمر رئيس الجمهورية من أربعين عاماً إلى أربعة وثلاثين عاماً، هي عمر بشار الأسد حين توفي والده!!. وبذلك يكون النظام السوري هو أول نظام يبتدع توريث الحكم في الأنظمة الجمهورية. ويمكن القول إن ذلك الحدث كان نكسة سياسية حقيقية في الجمهوريات العربية؛ إذ بعدها زاد عدد أبناء رؤساء الجمهوريات الذين تقلدوا مناصب مهمة في الجمهوريات العربية وزاد الحديث في أكثر من جمهورية عربية عن التوجه نحو توريث الحكم من الرئيس لابنه!
وبعد اندلاع الحركات الاحتجاجية في سوريا عام 2011م، تبين أن تلك الحركات المسلحة تقف خلفها القوى المتطرفة، وصارت بموجبها سوريا أكبر مخزن عالمي للإرهاب الذي حضر ممثلوه من كافة أنحاء العالم، وعبروا عن سلوكهم الوحشي بممارسات مرعبة لم يشهد لها التاريخ العربي الحديث مثيلاً. ولكن ظهور الجماعات الإرهابية واحتلالها أجزاء واسعة من سوريا لا يعني أن نظام حزب البعث كان نظاماً رشيداً جرى الانقضاض عليه. ولا يعني أنه البديل الأفضل للسوريين مستقبلاً. بل إن جمهورية الخوف والإقصاء التي شيدها نظام البعث كانت هي الباعث لتحالف بعض السوريين من المناطق المهمشة مع الإرهابيين القادمين من الخارج، وانضواء بعض السوريين تحت ألوية التنظيمات الإرهابية الخارجة عن الإنسانية.
ولا يختلف نظام معمر القذافي عن سابقيه إلا بكونه الأكثر وضوحاً في عدم اتزانه والأكثر غرابة في البنية العجائبية التي شيد على أساسها الدولة الليبية التي ذهبت أدراج الرياح بمجرد انتهاء عهد القذافي. المشكلة البنيوية الأولى في الأنظمة السابقة أنها زايدت في شعاراتها على شعوبها وعلى بعض الأنظمة الأخرى.

والمشكلة الثانية أنها جيرت إمكانات الدولة لحماية النظام نفسه وليس لخدمة شعوبها. وهذا يفسر الانهيار السريع لمؤسسات الدولة حين واجهت الأزمة الأخيرة عام 2011م.

إن الكثير من المثقفين العرب الذين يقفون في وجه موجة الخراب العربي التي اجتاحت المنطقة عام 2011م. ليسوا من أنصار الأنظمة المتهالكة والمزايدة على غيرها التي جرّت الخراب والدمار لشعوبها. ولكنهم يقفون مع سلامة (الدولة) العربية التي تعني البناء المدني للدولة وسلامة مؤسساتها العسكرية والمدنية والأهلية، ومفهوم (الدولة) أوسع وأشمل من مفهوم (النظام) الذي يعني مجموعة من الأفراد أو الأحزاب تستأثر بالسلطة وتستفيد من مقدرات (الدولة) من خلال الانفراد بالحكم.
كل الأنظمة السياسية معرضة للزوال، فهذه سنة تاريخية. ولكن الذي سيبقى للشعوب هو الدولة التي تحمي حياتهم وسلامتهم الشخصية، وتحافظ على حدودهم السياسية ومقدراتهم الاقتصادية ونظام تسيير الحكم والحياة. لذلك فإن القضية العربية الكبرى أمام موجات الخراب العاتية هي حماية (الدولة) العربية في الدول المتأزمة كي لا تتحول الجغرافية العربية الواسعة إلى حالة الصوملة العارمة.


د. انتصار البناء
[email protected]