أخيراً انفرجت الأزمة السياسية في زيمبابوي، وهي روديسيا الشمالية سابقاً، الذي جثم على صدر شعبها حكم إيان شميت الذي ينتمي الى الأقلية البيضاء هناك، واتسم بكونه نظاماً عنصرياً ظل رئيسه يتبجج في المحافل الدولية بأنهم سيمكثون في الحكم لألف عام قادمة، لكن الكفاح العنيف الذي قادته جبهتان ثوريتان واحدة تنتمي للماركسية السوفييتية بقيادة جوشوا أنكومو، وأخرى تنتمي لماركسية الصين بقيادة روبرت موجابي، أدى إلى رحيل نظام شميت في مطلع العام 1980 بعد التوقيع على معاهدة لانكستر هاوس في لندن، والتي شملت بنداً بأن يظل المستوطنون البيض بعد الاستقلال مواطنين زيمبابويين يتمتعون بحق المواطنة وكل ما يترتب عليها من التزامات وامتيازات.
وزيمبابوي التي حكمها موجابي منذ الاستقلال وحتى الآن ظهرت فيها في العقد الأخير معارضة داخلية يقودها الحزب الذي يتزعمه مورجان تسفانجيري، بحسبان أن موجابي تحول من ثوري إلى ديكتاتور، وظلت ترفع شعار التغيير، فيما موجابي يقاوم من خلال أجهزته البوليسية والعسكرية والأمنية التي سامت المعارضين صنوفاً من التنكيل والمطاردة. وأعطت مقاطعة رابطة الشعوب البريطانية الكومنولث لحكومة موجابي وفرض عقوبات اقتصادية عليها ساندها الغرب، دفعة قوية للمعارضة الداخلية، خاصة بعدما ظهرت آثار المقاطعة في ارتفاع معدلات التضخم بصورة مخيفة، وشحت السلع في الأسواق وضرب الركود التجاري أطنابه وراجت السوق السوداء، وظل موجابي يدفع عن نظامة بأنه مستهدف من الغرب، لأنه قام بنزع المزارع من البيض ومنحها لقدامى المحاربين وللسود، وفيما ظل الغرب، والكومنولث تحديداً، يشير إلى خرق موجابي لأحد بنود اتفاق لانكستر هاوس، وفي كل الأحوال، فإن خطوة موجابي تلك أضرت باقتصاد بلاده لأنها صرفت أعداداً من البيض باستثماراتهم وأموالهم عن البلاد فهاجروا إلى زامبيا وجنوب إفريقيا وموزامبيق وناميبيا المجاورة، وإلى أوروبا واستراليا، وفي الوقت ذاته لم يكن السود الذين تملكوا المزارع قادرين على إدارتها لضعف مواردها وخبرتهم.
وكانت الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة في زيمبابوي في ابريل/ نيسان 2008 مدعاة لاتهامات متبادلة رغم أن نتيجتها برلمانياً كانت في مصلحة المعارضة ونتيجتها بالنسبة للرئاسة أدت لإعلان جولة ثانية بين موجابي وتسفانجيري، لكن الأخير رفض بحجة أن تزويرها وارد، وغادر زيمبابوي إلى بتسوانا خوفاً على حياته كما زعم. وعندما عاد التجأ إلى سفارة أجنبية، وفي كل هذا الخضم كانت دول إقليم الجنوب الإفريقي المنضوية تحت منظمة سادك بقيادة جنوب إفريقيا تحاول التوسط، لكن ثمة أصابع أشارت إلى أن الرئيس الجنوب إفريقي ثابو مبيكي يقف في خانة المجامل لموجابي فيما مبيكي يعلم عناد صاحبة ويدرك نقطة ضعفه الكامنة في قبوله في نهاية المطاف بحل إفريقي، وذلك هو ما حدث بالضبط.
لقد أذعن موجابي لحكم الإقليم وقبل بقسمة السلطة مع المعارضة، وتم توقيع اتفاق على ذلك بإشراف رئيس جنوب إفريقيا، وذلك في تقديري كان الحل الأمثل على غرار تجربة كينيا، التي انتهت بالانتخابات الأخيرة فيها بضعف غير مسبوق في بلد كان يعتبر واحة الديمقراطية في إفريقيا، وأمكن تجاوزها بقبول اقتسام السلطة، لكن غير واضح حتى الآن كيف ستكون القسمة في زيمبابوي فهل سيصبح مورجان تسفانجيري رئيساً تنفيذياً للوزراء، ويكتفي موجابي بالرئاسة الوجاهية او الرمزية؟
الذين يعرفون موجابي يقولون إنه لن يرضى بدور هامشي، وإذا قبل به فإن أجهزته الأمنية، خاصة قيادة الجيش ستصر على معادلة لا تسحب البساط تماماً من الرجل بعد 28 عاماً في السلطة المطلقة.
المهم الآن، وبعد اقتسام السلطة في زيمبابوي بين موجابي ومعارضه تسفانجيري، هل يرفع الغرب حصاره؟ وما مصير وعد بريطانيا بدعم المليوني جنيه استرليني، في حال فازت المعارضة في الانتخابات، الأمر الذي أخذه موجابي وقتها على المعارضة، ووصفها بالعمالة للأجنبي والائتمار بأمره والبقاء تحت عباءته؟
هب أن بريطانيا جددت عرضها بعد الاتفاق، فهل يقبل موجابي، خاصة إذا كان العرض مشروطاً؟