إخراج أحبتنا من براثن الوحش

01:34 صباحا
قراءة دقيقتين

شيماء المرزوقي
من الطبيعي أن تمر بنا بين وقت وآخر مشاعر من الحزن والقلق، بل أن تغطينا أفكار تشاؤمية وسوداوية، ولكن من غير الطبيعي أن تستمر مثل هذه المشاعر طويلاً، وترافقنا في تفاصيل أيامنا كافة، ومن دون فكاك. أقول من الطبيعي لأننا خلال مسيرتنا الحياتية تعترض طريقنا عقبات ونقع في إخفاقات ونكسات، وهذه تجلب لنا الإحباط، وبسببها تكسونا مشاعر من اليأس، لكن يفترض أن تكون مؤقتة وغير دائمة، بل إن مشاعر مثل القلق، قد تكون طوق نجاة وفرصة للدفع بك نحو التقدم والتميز، لكن خروجها عن السيطرة، أو إذا صح التعبير، بمجرد سيطرتها على تفكيرك فإنها تقضي تماماً على كل إيجابية في حياتك. هذه لم تعد كلمات تقال من أجل التنظير، أو للاستخدام الإنشائي في الأروقة العلمية، لأنها تحولت لواقع برهن، ودلت عليه الكثير من الشواهد والأحداث، وفي المجمل، لم يعد من المقبول افتراضها خرافة، أو مجرد أوهام.
في كتابه الذي حمل عنوان «الصحة النفسية والتوافق»، قال الدكتور رمضان محمد القذافي: «يعرف الاكتئاب بأنه حالة من الشعور بالقلق والحزن والتشاؤم والذنب، مع انعدام وجود هدف للحياة، ما يجعل الفرد يفتقد الواقع ووجود هدف للحياة».
وهذا ما يحدث في نهاية المطاف إذا سمحت للاكتئاب بأن يلبسك ويغذي أفكارك، لأنه سيحطم روحك ويغذي اليأس، ويدفعك للألم الذي لا يتوقف، والسبب لا شيء، فلا شيء في هذه الحياة برمتها يستدعي نظرة سوداوية قانطة بائسة تدفع بالمكتئب للانتحار، ووضع حد لحياته.
اعتبر البعض من العلماء أن كبار السن هم الأكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بسبب قلة نشاطهم والأمراض، فتزيدهم الكآبة وهناً وضعفاً وتجلب المزيد من الأمراض كأنهم استدعوا المزيد من الهم على كاهلهم. ولو أنهم توجهوا نحو ممارسة الرياضة والتفاعل الاجتماعي والاطلاع على كل جديد، وغذوا وقتهم بالمفيد، وانتهزوا فرصة هذا الوقت المتاح لهم، لما وجدت كل تلك الأمراض إليهم من سبيل.
أيضاً من هم في مقتبل العمر من الشباب والمراهقين، وأيضاً الفتيات، قد يكونون عرضة للإصابة بالكآبة، والمشكلة أنها قد تتلبسهم لأسباب واهية متواضعة بسيطة، لا تستدعي كل هذا الحزن واليأس والقنوط، لكن مع ارتفاع درجة الحساسية لدى البعض يكون أكثر عرضة لتداهمه كل المشاعر السوداوية، ويعيش في ظلام وحزن غير مبرر.
والمظهر الحزين والقانط نشاهده يومياً في مدارسنا، أو مقار أعمالنا، وغيرها من مواقع المجتمع، وهو ما يستدعي فتح ملف ليس الكآبة وعلاجها، وإنما جميع الأمراض النفسية، إلا أن الكآبة تعد أخطر لأنها قد تحيط بحياة أقرب الناس لنا من دون أن نشعر، ومن دون أن ننتبه لمعاناته الصامتة، وهو ما يعني أننا مطالبون برفع مستوى الوعي بهذا المرض وكيفية إخراج أحبتنا من براثنه، خاصة مع أولى بوادره.

[email protected]
www.Shaimaalmarzooqi.com

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

كاتبة وناقدة إماراتية ومؤلفة لقصص الأطفال وروائية. حصلت على بكالوريوس تربية في الطفولة المبكرة ومرحلة ما قبل المدرسة والمرحلة الابتدائية، في عام 2011 من جامعة زايد بدبي. قدمت لمكتبة الطفل أكثر من 37 قصة، ومتخصصة في أدب اليافعين

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y39buwmp