نحن نعيش في زمن بدأ يعتاد على النتائج السريعة، خاصة بعد ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت تنجز المهام التي كانت تتطلب أسابيع؛ إذ أصبحنا نرى النتائج في غضون دقائق معدودة أو أقل حتى. في خضم ذلك، صار الاستعجال لرؤية النتائج أمراً شائعاً في العديد من مواضع الحياة، سواء في العمل أو في الحياة الشخصية. وهذا يقودنا إلى تقدير مهارة يملكها البعض، وهي «عدم الاستعجال». لا أقصد البطء أو قلة الاهتمام أو الإهمال، بل أشير لمن يتروى ويبطئ لأنه يعرف ما يريد، ويعرف الوقت المطلوب لتحقيق ما يريده. لذلك، لا يصرف طاقته في القلق على ما لم يحدث بعد، ولا يستهلك نفسه في محاولة استعجال ما لا يمكن استعجاله. هذا الوضوح وحده يوفر له طاقة كبيرة كان يصرفها غيره في التوتر والاندفاع وردود الفعل المتسرعة.
من يملك هذه المهارة لا يتأثر بالمشتتات التي تحدث حوله، يستمع، يفكر، ثم يتصرف. وحين يتصرف يكون قد فكر في الأمر بشكل كافٍ، فلا يندم على ما قاله ولا على ما فعله. أما من يستعجل في كل شيء، فيجد نفسه يقضي وقتاً طويلاً في إصلاح ما نتج عن السرعة، فيخسر مرتين: مرة في القرار المتسرع، ومرة في تصحيحه لاحقاً. هذا الفرق بين من يأخذ وقته ومن يقفز إلى التصرف، هو فرق يصنع نتائج مختلفة تماماً على المدى البعيد. ما يحمي هؤلاء من فقدان طاقتهم هو أنهم لا يربطون قيمتهم بسرعة الإنجاز، بل بجودته.
حين لا يكون الوقت مثل السباق في أذهاننا، لا يصبح كل تأخير كارثة، ولا يصبح كل انتظار خسارة، يصبح الوقت أداة وليس عدواً، ويصبح الصبر مهارة نستطيع تطويعها لتحقيق أهدافنا. هذه المعادلة تجعل الإنسان قادراً على أن يحافظ على طاقته لفترات طويلة، بدل أن يحرقها في أسابيع قليلة من الاندفاع. هذه الشخصية لا تولد فجأة، بل هي مهارة يتم بناؤها بداخلنا، تبدأ من قرار بسيط بأن لا يكون كل شيء عاجلاً، وأن يأخذ الإنسان وقته في القرارات المهمة، وأن يقاوم الاستعجال الذي يفرضه المحيط من حوله.
ومع الوقت يتحول هذا القرار إلى عادة، والعادة تتحول إلى طريقة في الحياة؛ لأن الذي لا يستعجل ليس بطيئاً، بل هو واثق بأن الوقت معه لا ضده، وأن ما يستحق الانتظار سيأتي في موعده.
من السهل أن ينجز الإنسان مهامه حين يكون مزاجه جيداً وطاقته عالية وكل ما حوله يسير بسلاسة، لكن هذه اللحظات ليست هي القاعدة في الحياة، لأنه من الطبيعي أن تأتي أيام لا يكون فيها المزاج مناسباً، وتكون الطاقة منخفضة والظروف غير مثالية والرغبة في تأجيل كل شيء حاضرة بقوة.
ما يفعله الإنسان في هذا الوقت العصيب، هو ما يصنع الفرق بينه وبين غيره. من ينجز فقط حين يشعر بالحماس، يعيش حياة مذبذبة؛ يعمل بكثافة لأيام ثم يتوقف لأيام، ينطلق في مشروع ثم يهجره عند أول عقبة، يبدأ عادة جيدة ثم يتركها بمجرد أن يفقد الشعور بالرغبة فيها. هذا النمط يجعل التقدم بطيئاً جداً رغم كل المحاولات؛ لأن ما يُبنى في فترة الحماس يضيع جزء كبير منه في فترة الفتور.
أما من يتعلم أن يعمل في الوقت الصعب، فإنه يبني شيئاً مختلفاً تماماً. لا يعمل بنفس الكفاءة في الأيام السيئة، وهذا طبيعي ومتوقع، لكنه يحرك شيئاً صغيراً؛ يكتب فقرة بدل صفحة، ويراجع مهمة بدل أن ينجزها كاملة، ويقطع خطوة واحدة بدل أن يقف. هذه الخطوة الصغيرة في اليوم الصعب أهم بكثير من الخطوة الكبيرة في اليوم الجيد؛ لأنها تكسر فكرة أن العمل مرتبط بالمزاج، وتثبت أن الإنسان قادر على المضي بغض النظر عن الظروف الداخلية.
ما يحدث مع الوقت أن من يعمل في الأيام الصعبة يصبح أقوى دون أن ينتبه؛ يبني أسلوباً للتعامل مع الفتور والملل أو الحالة النفسية السيئة، فلا يخاف منها، ولا يسمح بأن تؤثر في إنتاجيته، ولا يستسلم لها. يدرك أن الفتور يأتي ويذهب، وأن انتظار رحيله ليبدأ العمل قد يطول. هذه القدرة وحدها تفصل بين من يبقى في مكانه ومن يتقدم؛ لأن الجميع يواجهون أياماً صعبة، لكن قلة فقط من يعرفون كيف يتعاملون معها.
السر قد لا يكون في أن نعتبر أنفسنا مثل الروبوت، بل في التعامل مع حالتنا النفسية بذكاء. حين يضع الإنسان لنفسه هدفاً صغيراً جداً في اليوم الصعب، يصبح من السهل تحقيقه. والأمر الذي يبدأ كخطوة صغيرة غالباً ما يتحول بعد دقائق إلى عمل أطول؛ لأن أصعب جزء في أي مهمة هو البداية، وحين تكسر حاجز البداية تفتح الطريق لنفسك. هذه الحيلة البسيطة، أن يلتزم الإنسان بأقل القليل في يومه الصعب، هي ما يبقيه على المسار حين يتوقف غيره.
في عام 1992، وضع العالم روبن دانبار، الأستاذ في جامعة يونيفرسيتي كوليدج لندن، نظرية مثيرة تتعلق بالقدرة المعرفية لعقل الإنسان؛ حيث حدد سقفاً محدداً لعدد الأشخاص الذين يمكننا الاحتفاظ بهم في علاقة قوية ودائمة: 150 شخصاً تقريباً.
وسبب محدودية هذا العدد يعود لحجم الدماغ البشري، وأيضاً بسبب الحدود الزمنية؛ حيث يرى أن أي علاقة تتطلب منحها فترة زمنية ليست قليلة، وبما أن يومنا لا يتجاوز 24 ساعة فقط، فمن الصعوبة بمكان، إن لم يكن من المستحيل، المحافظة على أكثر من 150 علاقة بجودة مقبولة واهتمام كافٍ.
وذهب هذا العالم نحو تأكيد نظريته بنتائج خلص إليها عند دراسته لحجم القرى في العصر الحجري، وحجم الوحدات العسكرية في العصر الروماني، بل حتى قوائم بطاقات أعياد الميلاد أو نحوها من المناسبات، حيث كان العدد في حدود 150. والسبب هو أنه عندما تكون المجموعة أقل من 150 يمكنك التعامل معها وإدارتها عبر التعارف المباشر، أما إذا تجاوزت هذا العدد، فإنه يظهر ما يشبه التفكك، ومعه تظهر الحاجة للتنظيم والرتب أو قوانين للسيطرة.
أيضاً العقل البشري لا يكتفي بحفظ الأسماء، بل هو يحفظ جوانب أخرى أكثر دقة في العلاقة نفسها مع كل واحد، مثل القرب والحب والكراهية، والاتفاق أو التنافر، ونحوها من الحسابات المعقدة المرهقة للعقل البشري، وبالتالي لا يمكنه تجاوز حد 150.
هذه النظرية واجهت انتقادات كثيرة، ومنها من قال: «إن الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي ترفع هذا العدد»، لكن في عام 2016 قام العالم روبن دانبار بتحديث دراسته ونظريته، وعاد مرة أخرى في عام 2021 بتحديث آخر خلص إلى أن التقنية الحديثة سهلت التواصل لكنها عاجزة عن زيادة سعة أو قدرة العقل البشري من الناحية العاطفية، وبالتالي يمكن لأي واحدٍ منا جمع 5000 متابع على شبكات التواصل، لكنه لن يجد سوى عدد قليل جداً ممن يمكنه الاتصال بهم عند الساعة الثالثة فجراً عند وقوعه في أزمة.
الحقيقة أن هذه النظرية يرفضها البعض، وأيضاً تكتسب الاحتفاء عند البعض، خاصة أننا في زمن تتدهور فيه العلاقات الإنسانية، وزمن نصفه بأنه شحيح في الأصدقاء الأوفياء، لكن لعل كل واحدٍ منا يسأل نفسه: كم عدد علاقاته المتينة والقوية؟ قد تحدد الإجابة صحة هذه النظرية من عدمها.
[email protected]
كما هو واضح وماثل في حياتنا اليومية، نحن نعيش في عصر الاتصال الفائق والذكي والمتطور، ومع هذا الوضع المذهل وغير المسبوق في تاريخ البشرية، هناك معاناة حقيقية في التواصل. يقودنا هذا الجانب نحو نقطة محورية بالغة الأهمية، وهي الفرق الجسيم بين «الاتصال» من جانب، و«التواصل» من جانب آخر، ورغم الخلط الواسع بينهما، فإن الدارسين في مجالات العلوم الإنسانية، كعلمي النفس والاجتماع، يدركون الفرق الجوهري، ففي علم الاجتماع واللسانيات، يُنظر إلى الاتصال بوصفه «عملية نقل»، بينما التواصل «عملية تفاعل».
في عصرنا التقني، يُعتبر الاتصال هو الجانب المادي، وكأنه أنبوب تمر عبره البيانات، ففي العالم الرقمي جميعنا «متصلون» بالإنترنت، وبالتبعية «متصلون» بالأصدقاء عبر التطبيقات، بينما التواصل عملية تتطلب إرسالاً واستقبالاً ومشاركة، ولا يكون الاتصال صحيحاً ومكتملاً إلا بحدوث الأثر والنتيجة، سواء عبر السلوك أو المشاعر.
قد نجد شخصين يعيشان في منزل واحد، وهذا يسمى «اتصالاً مكانياً»، لكنهما يعيشان دون تفاعل، وبالتالي يفتقدان للتواصل، وهنا يصح القول إن ما حدث بينهما هو مجرد «تقاطع في المكان»، لم ينتج عنه أي معرفة أو تفاعل وجداني.
ومن واقعنا الحياتي، معظمنا يملك قائمة «اتصالات» على هاتفه الذكي تضم مئات الأرقام، لكننا في الحقيقة لا «نتواصل» إلا مع القلة القليلة جداً، والبعض لا يتجاوز من يتواصل معهم أصابع اليد الواحدة. لذا، أعتبر أن الاتصال جانب عفوّي بسيط نعيش في وسطه، لكن الصعوبة تكمن في التواصل، لأنه يتطلب الانتباه، والشعور، والعاطفة، والاهتمام، وبناء جسور التلاقي، ومنح الطرف الآخر الحضور التام، على أن تكون هذه العوامل متبادلة بين الطرفين.
إن ما يحدث اليوم هو أن البعض يعتقد أنه على «تواصل» مع الكثيرين، لكنه في الحقيقة في حالة «اتصال» فقط، وهو ما تجسده مواقع التواصل الاجتماعي: علاقات رقمية جامدة، مجردة من لغة الجسد ونبرة الصوت والتفاعل الحي، مما يضع العقل البشري في حالة تشبه «الجوع العاطفي»، مهما تعددت «الإعجابات».
الخلاصة: جميعنا في حالة اتصال، ولكن لسنا جميعنا في حالة تواصل، وهذه هي المعضلة الجسيمة التي يعانيها إنسان العصر الحديث.
[email protected]
في كل صف دراسي هنالك طلاب يحملون أسئلة لكنهم لا يطرحونها. يجلسون في مقاعدهم وفي أذهانهم استفسار واضح، لكن شيئاً ما يمنعهم من رفع أيديهم. قد يكون الخوف من أن يبدو السؤال ساذجاً أمام الزملاء، أو القلق من أن يعتقد المعلم أنهم لم ينتبهوا جيداً، أو ببساطة إحساس بأن الجميع حولهم فهم، فيما هم وحدهم لم يفهموا. فيختار الطالب أن يصمت ويكتفي بما فهمه، ظناً منه أن الاكتفاء بالاحتفاظ بالسؤال لنفسه قد يكون أفضل من مواجهة المجهول والتحدث بصوت مسموع. لكن هذه التساؤلات قد تبقى في ذهن الطالب أو السائل، ولا يحصل على الإجابة بسهولة، والسؤال الذي لم يُسأل في لحظته يتحول إلى فجوة صغيرة في المعرفة تبقى معه.
هذه العادة لا تنتهي مع انتهاء المدرسة، بل تتحول إلى نمط يلازم البعض في حياته. في اجتماع عمل قد يكون هنالك من لم يفهم نقطة مهمة، لكنه يخشى أن يسأل فيظهر أنه غير فاهم. وفي دورة تدريبية قد يبقى البعض صامتاً خوفاً من أن يبدو أقل اطلاعاً من غيره. وفي تعامل يومي مع جهاز جديد أو برنامج أو مهمة، يختار البعض أن يحاول وحده بدل أن يطلب توضيحاً من شخص يعرف أكثر.
من يختر الصمت، يفُته ما هو أكثر بكثير من مجرد إجابة عن سؤاله. السؤال حين يُطرح يفتح باباً لنقاش قد يستفيد منه غيره أيضاً، ويظهر لمن حوله أن صاحبه يفكر ويتابع ويريد أن يفهم. أما من يصمت دائماً حفاظاً على صورته، فهو يربح لحظة راحة مؤقتة ويخسر فرص تعلم متكررة. ومع مرور الوقت تتراكم هذه الخسائر الصغيرة حتى تصبح فرقاً حقيقياً بينه وبين من يسأل.
قد نلاحظ أن السؤال الذي يبدو ساذجاً في نظر صاحبه كثيراً ما يكون هو السؤال الذي يدور في أذهان عدد من الحاضرين في الكثير من الأحيان. من يسأل أولاً لا يكشف جهلاً، بل يكسر حاجز صمت كان يمنع غيره أيضاً من التعلم، فهو أحياناً يكون نوعاً من الثقة بالنفس والشجاعة.
هذه الأمور كلها تستحق أن تجعلنا نعيد التفكير في طريقة تعاطينا مع تساؤلاتنا، وأن نفهم أنها ليست ضعفاً، بل قد تكون أحياناً طريقاً للمعرفة والتعلم. أما من يستمر بالتراجع عن السؤال ومن يستمر ببناء حواجز للتعلم، فسيظل يخفي ما لا يعرفه طوال حياته، ويخسر في الطريق فرصاً كانت ستضيف له الكثير.
[email protected]
في عام 1960 تأسست منظمة الدول المصدرة للنفط التي تعرف اختصاراً باسم «أوبك»، وانضمت الإمارات لها عام 1967. وطوال مدة عضوية الإمارات خلال الستة عقود الماضية تقريباً، عرف عنها أنها صوت العقل داخل هذه المنظمة، وفي شواهد وأمثلة عديدة كانت تسعى دائماً لتقريب وجهات النظر بين المنتجين والمستهلكين، لكن الرؤية الإماراتية نمت وتطورت، بينما بقيت آليات عمل «أوبك» كما هي. على سبيل المثال، جمود نظام المحاصصة، مقابل مرونة في السوق، حيث اعتمدت «أوبك» منذ تأسيسها على نظام حصص الإنتاج، وهي أداة تقليدية قديمة، قد تناسب الماضي، استهدفت التحكم بالأسعار من خلال تقييد العرض، لكن الإمارات استثمرت مليارات الدولارات في تقنيات حديثة ومتطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرفع طاقتها الإنتاجية، ومن هنا يتضح أن «أوبك» باتت حجر عثرة في التطور الاقتصادي للإمارات، لأن الالتزام بالحصص القديمة يحرمها من استغلال تطورها التقني، ويحد من قدرتها على الإنتاج بكلفة أقل وكفاءة أعلى موازنة بأعضاء آخرين في المنظمة.
مثال آخر: ينصب تركيز المنظمة الرئيسي والأساسي على النفط الخام، بينما الإمارات طورت استراتيجيتها نحو ما يعرف بالطاقة المتكاملة. كمثال، باتت الإمارات لاعباً دولياً قوياً في الغاز المسال والطاقة النظيفة. في اللحظة نفسها، الإمارات في مجال التقنيات الحديثة تطورت بشكل لافت ومعروف على مستوى العالم، ومن هنا نجحت في إدخال تقنيات غير مسبوقة مثل استخدامها التوأمة الرقمية، ومراكز التحكم المتقدمة، التي مكنت من سرعة اتخاذ القرار لدى الإمارات، بسرعة عالية بينما تعاني «أوبك» من بيروقراطية واعتيادية بطيئة. الحقيقة أن المنظمة كان تأسيسها ثم هيكلتها وطبيعة عملها في القرن الماضي، وفق عالم كان الطلب فيه مستقراً، بل ومنتجو النفط محدودون، لكن في هذا العصر ومع دخول كثير من المنافسين للسوق وهم من خارج «أوبك»، أصبحت الاستجابة السريعة لحاجات السوق والمستهلكين هي التحدي، وهي المهارة الواجب العمل بها. وهي جوانب نجحت فيها بلادنا الحبيبة، ولله الحمد.
دون شك، البقاء في «أوبك» كان سيعطل طموحات الإمارات في أن تكون المزود الأول للسوق العالمي، ودون شك، النموذج التقليدي لمنظمة أوبك لا يتسع لطموحاتنا التقنية ولا لرؤيتنا. لذا، فإن قرار الخروج من هذه المنظمة انتقال إلى مرحلة المنتج العالمي الذي يمزج بين التقنية والمرونة والمسؤولية الدولية، وجميعها جوانب برع فيها الإماراتي.