شيماء المرزوقي
يعتقد بعض الآباء أن توفير احتياجات أطفالهم من الملبس والمأكل والمشرب، ثم الترفيه والألعاب، هي كل ما يهم، وأنهم إن نجحوا في هذا الجانب فقد قاموا بالتربية. والحقيقة تختلف تماماً عن هذه الاهتمامات؛ مفهوم التربية أبعد وأشمل، ومن ركائزها الأساسية إعداد أطفالنا للمستقبل، إعدادهم بتعليم راق متميز، ومواقف حياتية يمرون بها تكون ذخيرة معرفية تساعدهم على حسن التصرف والتفكير و اتخاذ القرار.
هذا الملمح والجانب تناوله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في كتابه الذي حمل عنوان «قصتي» حيث سرد في فصل«النوم مع العقارب».
عندما بدأ والده الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، في أخذه إلى الصحراء عند أحد شيوخ المناصير ويسمى حميد بن عمهي، وهو في السابعة أو الثامنة من العمر. يقول سموه:«كان أبي يتركني مع حميد بالأيام. تعلمت منه الصيد بالصقور والكلاب، وحركة الحيوانات وعاداتها وخدعها الكثيرة للاختفاء».
ودون شك أن العيش في الصحراء قاسٍ وصعب، فكيف هو الحال إن كانت المعاناة تصل للألم؟ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد سرد قصة بليغة عن التربية والتعليم، حيث قال عن ذلك التاريخ:«ذكريات مازالت محفورة في ذاكرتي بجمالها وشغفها، وحتى بآلامها. نعم آلامها، لا يعادل دفء الفراش في الصحراء الباردة بالليل أي شيء. لكنني كنت أستيقظ عدة مرات على لدغات عقارب صغيرة، يبدو أنها كانت تبحث عن الدفء أيضاً في فراشي. أقوم متألماً بشدة. يأخذني حميد إلى النار، ويضع الرماد على أماكن اللدغات لينحسر السم ويسهل امتصاصه. كانت حرارة الرماد تخفف ألم اللدغات، حتى إذا برد الرماد عاودتني الآلام، ولك أن تتخيل أنني كنت أقوم من نومي ثلاث مرات أو أربع مرات، متألماً من لدغاتها الشديدة. وكنت أستغرب أنني الوحيد الذي تلدغه العقارب! نعم الوحيد، وذلك لسببين، الأول لأنني لم أستمع للنصح بالتحقق من الفراش قبل النوم في الصحراء وما يضمه، والثاني لأن حميد كان يجمع ما بين 10 إلى 12 من صغار العقارب ويضعها في فراشي متعمداً!. أدركت ذلك متأخراً. كان حميد يريد أن يبني مناعتي ضد لدغات عقارب الصحراء المميتة عن طريق هذه الجرعات من العقارب الصغيرة ولدغاتها، ولليوم، لا تزال لدي مناعة ضد سم العقارب».
إن صناعة القائد والبطل والحكيم والذكي، تبدأ منذ نعومة أظفاره، بتعويده على الجدية والتحمل والصبر، وهذا ما فعله الراحل الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله رحمة واسعة، مع ابنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، رعاه الله. وهو درس لنا جميعاً في مجال تربية أطفالنا.
www.shaimaalmarzooqi.com