عندما يذكر الإعلام 11 سبتمبر، يفكر الجميع بالهجوم الإجرامي على مبنى مركز التجارة العالمية في نيويورك وبعض المراكز الحكومية الأمريكية الأساسية في واشنطن وغيرها . إلا أن هنالك يوم 11 سبتمبر ،1989 الذي يرمز إلى سقوط الشيوعية الاقتصادية، وهو لا يقل أهمية سياسياً ومعنوياً عن 11 سبتمبر ،2001 وما زلنا نعيش تحت نتائجه الاقتصادية الكبيرة . في 2 مايو 1989 أعلنت هنغاريا لأسباب مالية أنها لن تستطيع الإبقاء على الحاجز الكهربائي بينها وبين النمسا . أما تاريخ 11 سبتمبر ،1989 فهو اليوم الذي فتحت فيه هنغاريا حدودها مع النمسا، ما سمح للألمان الشرقيين بالتوجه عبرهما الى ألمانيا الغربية وشكل عملياً سقوط القسم الشرقي من ألمانيا، وبالتالي انتهاء رمز الشيوعية الاقتصادية . الألمان الشرقيون تعبوا اقتصادياً من النظام الشيوعي ومن غياب الحريات، وكذلك الأوروبيون الشرقيون كالبولونيين والهنغاريين .
قبل نهاية الحرب الباردة، وصل التضخم إلى 30% سنوياً في هنغاريا، وارتفعت الديون العامة، وانحدر مستوى المعيشة كما الأجور . تحققت الديمقراطية في هنغاريا من فوق بدأ من سنة ،1988 وهي التي عانت التدخل السوفييتي في سنة 1956 وأصبحت تحظى بقيادات كنيميث وكروز تعلم جيداً أنه لا يمكن إبقاء الوضع على حاله . في بولونيا، كان ثلث الشعب فقيراً ووصل مؤشر التضخم إلى 60% وفقدت السلع من الأسواق . في انتخابات 4 يونيو/حزيران ،1989 انتصرت النقابات البولونية بقيادة ليخ فاليسا بشكل كاسح . في الفترة نفسها، انخفضت أسعار النفط من 40 دولاراً للبرميل في سنة 1980 إلى 9 دولارات في سنة 1988 ما يعني أن الموارد المالية للاتحاد السوفييتي انخفضت بشكل دراماتيكي منعها عملياً من الاستمرار في سيطرتها على المعسكر الشرقي . فالاقتصاد وجه السياسة، وسوء الأداء الاقتصادي غير وجه الأنظمة التي انتقلت تدريجياً إلى النظام الحر .
من أمثلة سوء الأداء، أن الرئيس الروماني السابق شاوسيسكو الذي كان صانع أحذية وترأس الحزب الشيوعي في سنة 1965 شيد قصراً من الرخام الأبيض احتوى على ألف غرفة في وقت كان الشعب يجوع ويفتقد الى أهم السلع المعيشية . بلغت تكلفة القصر ما يعادل سنة كاملة من الصادرات الرومانية . في خريف ،1989 بلغ حجم الدين الخارجي لألمانيا الشرقية 26 مليار دولار مع فوائد سنوية بلغت 5،4 مليار أو ما يعادل ثلثي الدخل القومي ومرة ونصف قيمة الصادرات . شيد حائط برلين في 13 أغسطس/آب 1961 على طول 300 ميل لمنع الشرقيين من اللجوء إلى الغرب حيث بلغ عدد الهاربين قبله ألف شخص يومياً . اعتقد القائد الألماني الشرقي أولبريخت أنه الحل العملي لبقاء دولته موجودة . يرمز الحائط إلى فترة طويلة من العذاب والقمع والنضال كما إلى الأمل بالمستقبل . شكل الحائط رمز الحرب الباردة التي وجهت الاستثمارات والإنفاق في الاقتصادات العالمية . في الولايات المتحدة، بنيت شبكة الطرقات عبر الولايات في كل الاتجاهات لتسهيل نقل الإمدادات العسكرية . وجدت الإنترنت أصلاً لتسهيل الاتصال بين وحدات الجيش الأمريكي والحليفة ولم تصبح شبكة تجارية إلا لاحقاً . أنفقت الولايات المتحدة الكثير على التعليم والبحوث كي تربح حرب الأدمغة ضد المعسكر الشرقي وخاصة ضد السوفييت . وجدت مؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد لدعم الاقتصادات التي اعتمدت النظام الحر .
استلم غورباتشوف الأمانة العامة للحزب الشيوعي السوفييتي في 11/3/،1985 وكان راغباً في التغيير . في ال 54 من العمر، كان أصغر أمين عام استطاع أن يفهم بسهولة مشكلات النظام الاقتصادي السوفييتي وبالتالي عدم إمكانية الاستمرار بالأوضاع . انفتح على الغرب ووقع مع الأمريكيين اتفاقيات لتخفيض الأسلحة النوويية . لا يمكن لأحد أن ينسى هاتين الكلمتين المهمتين غلاسنوت (أي رياح التغيير) وبيريسترويكا (أي الانفتاح والإصلاح) . كانتا الركيزتين اللتين بني عليهما التغيير في كل المعسكر الشرقي . أعطتا الضؤ الأخضر للمواطنين للمطالبة بالحرية والديمقراطية . حظي غورباشوف بحسن رفقة الرئيس ريغان في أمريكا ورئيسة الحكومة تاتشر في بريطانيا لأنهما وثقا به وتعاملا معه بصدق، واضطرا مراراً لمواجهة اليمين المتطرف في حزبيهما أي الجمهوريين والمحافظين . غير ريغان السياسة الخارجية من الانفراج والاحتواء إلى المواجهة، فكان السباق المكلف على التسلح . انتهت الحرب الباردة باحتفال وليس بتوقيع اتفاق سلام كما حصل في الحربين العالميتين . لم تنتصر الجيوش في الحرب الباردة ولم يخطط لها، لا في واشنطن ولا في لندن، ولم تنته بسبب القوة العسكرية الغربية وإنما تحققت بسبب رغبة الشعوب الواضحة في التغيير بعد سنوات من الظلم .
إذاً، من الخطأ القول إن أمريكا أو الغرب أسقطا الاتحاد السوفييتي . الحقيقة أن الشعوب فرضت التغيير بسبب النتائج الاقتصادية السلبية مع وجود عامل مساعد هو شخص ميخائيل غورباشوف الذي رفض القمع كما حصل سابقاً في هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا . هل يمكن القول إن الولايات المتحدة ربحت اقتصادياً الحرب الباردة؟ في الواقع، وجهت الحرب الخيارات الاقتصادية بشكل غير فاضل وذلك بسبب الضرورة . بين سنتي 1940 و،1996 أنفقت الولايات المتحدة 8،5 ألف مليار دولار على الأسلحة والتجهيزات النوويية، وكان من الممكن استثمارها في الأمور الاجتماعية والعلمية . فالحرب الكورية مثلاً أفقدت أمريكا أكثر من 32 ألف جندي وقتلت 3 ملايين كوري . أما حرب فيتنام، فقتلت أكثر من 58 ألف جندي أمريكي وجرحت 304 آلاف من دون أن ننسى أن 2،1 مليون فيتنامي قتلوا خلال 7 سنوات من العنف .
في بداية سنة ،1989 لم يكن أحد يتوقع سقوط الشيوعية وتوحيد ألمانيا تماماً، كما يحصل اليوم عربياً حيث كانت معاهد البحوث في بداية 2011 تتوقع بقاء الأوضاع كما هي في مصر وغيرها . حتى الألمان أنفسهم فوجئوا بسرعة التغيير في بلادهم . قبل منتصف سنة ،1989 سأل الرئيس بوش الأب الرئيس ميتران عن إمكان توحيد ألمانيا، فأجابه أنه لن يتحقق في حياتنا . إضافة إلى عنصر المفاجأة لم يكن الغرب يرغب بالتوحيد الألماني خوفاً من قوتها ولأن التاريخ والذكريات تبقى حديثة . كان الرئيس الشرقي هونيكير يقول إن الشيوعية والرأسمالية هما كالحريق والمياه لا يمكن أن يعيشا سوية، لكنه كان يعلم أن مشكلات بلاده كبرت والمواطنون يريدون التغيير . كان الألمان الغربيون يخشون تكلفة الدمج وكان الشرقيون غير متحمسين له لعلمهم أن الحياة ستصبح أصعب أي تتغير كثيراً بسبب الاقتصاد . كان العامل الغربي يخشى أن يأخذ الشرقي مكانه لأنه يقبل بأقل، خاصة أن الأول يعمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل 65 ساعة للشرقي . أتى التغيير في العديد من الدول الشرقية ليس بفضل الغرب وإنما عملياً بسبب رغبة الشعوب في التغيير الذي هو حق وواجب، ولا يمكن لأي حاكم الوقوف في وجهه .
لا بد وأن تكون التجربة الشيوعية مهمة جداً للوطن العربي، ولا شك في أن الأوضاع الاقتصادية هي دافع أساسي وليس الوحيد للانتفاضات العربية . مشكلات اليوم العربية تبقى مختلفة عن مشكلات الأمس الشيوعية الشرقية، إلا أن هنالك مزايا مشتركة نابعة من الممارسة السياسية غير الفضلى . لا يمكن لأي حاكم أو مسؤول أن يتجاهل مطالب الشعوب في الحريات والحقوق وحسن الأداء والبحبوحة الاقتصادية . تجارب الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية يجب أن تعلمنا عربياً الكثير، وهي أن الشعوب لا يمكن أن تحقق أهدافها في الحرية . تبقى المنطقة العربية اليوم الوحيدة التي لا تعتمد فيها الانتخابات لتحديد الخيارات الوطنية الأساسية . ما يجري عربياً حتى اليوم ليس إلا بداية لمسيرة لا بد وأن تكتمل . فالحكام الواعون هم الذين يسبقون الشعوب في تحقيق رغبتها في الحرية والتغيير أي على الطريقة الهنغارية، مما يخفض التكلفة ويحقق العدالة التي تبشر بها كل الأديان .
كاتب لبناني