يحدث أحياناً أن يمسك أحدنا رواية لكاتب عالمي، فلا يستطيع تجاوز الصفحات الأولى، يحدث ذلك برغم أنها قد تكون مشهورة جداً وحائزة على أرفع الجوائز الأدبية العالمية، و مكللة بدراسات نقدية تقريظية كثيرة حولها وحول روعتها و بنائها السردي، وعوالمها الخاصة و و...، حسناً ما الأمر؟ لماذا نجد أنفسنا فجأة ونحن لا نستطيع مواصلة قراءة رواية حازت على كل تلك الشهرة والثناء من قٍبل من لا يصدرون أحكامهم إلا وفق قواعد منهجية رصينة؟.
كل شيء في هذه الحالة يتعلق باللغة، فأحياناً تكون الرواية ناجحة على مستوى النقّاد، في نظرتهم لمدى إجادة كاتبها لاستخدام تقنيات السرد الحديثة، ولتصوير شخصياته وأبعادها النفسية وارتباطاتها الدرامية بعضها ببعض، لكن تلك الرواية لا تنجح في تقديم كل ذلك بلغة بسيطة مشوقة تضج شعرية تخلب ألباب ملايين القراء العاديين، الذين يهتمون بالمتعة السردية وبشغف الحكاية أكثر من اهتمامهم بمدى دقة الكاتب في استثمار أدوات صناعة الرواية وبراعته في ذلك.
واللغة الشعرية في أي رواية هي ميزة ليست في متناول أي كاتب، ذلك أنها مرتبطة بمقدرته على تخليق حالة من الخيال والمجاز وتوظيف الاستعارات بطريقة تحيل لنوع من السحر اللفظي كفيل باجتذاب القارئ، واستدعاء خياله في رحلة تتبع لعوالم سرد غالباً تكون واقعية.
ولعل أدق تعريف للشعرية ماذهب إليه أحد النقاد حين وصفها بأنها خاصية ذات علاقات متشعبة، تنمو بين مكونات النص، وتكسبه مذاقاً خاصاً ومؤثراً.
من هنا يمكننا القول، إن الشعرية في الرواية هي ميزة إبداعية تنتمي لفن السهل الممتنع، وتضيف للرواية بعداً منفتحاً على القارئ الذي يحاول جاهداً أحياناً أن ينسى واقعية الرواية ربما لارتباطها بواقعه الذي قد لا يريد تذكره، ولذلك تدخل شعرية اللغة لتشكل نافذة على خيال غير مكتمل، أي على منطقة وسطى ما بين واقعية السرد الروائي، ورمزية الشعر وانزياحاته التي تنشط الذهن وتلهيه عن المباشرة والتقرير وغيرها من أدوات الواقع.
وقد يطرح السؤال هنا: ما دامت الشعرية وسيلة ناجحة لاكتساب القارئ من أول كلمة فلم لا ينتهجها غالبية الكتّاب العباقرة وهم من هم في القدرة على تطويع اللغة وإجادة توظيفها؟
قد لا تكون هناك إجابة واحدة لذلك السؤال، غير أن التفسير الأكثر شيوعاً، والذي يمكن أن يحمل إجابة للسؤال هو أن الشعرية لا تعد حتى الآن من المعايير النقدية الأساسية التي يتم من خلالها تقييم الرواية.
محمدو لحبيب