عادي

معالجات درامية شبابية تنتقد منطق الهويات القاتلة

ثلاثة عروض في المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية بالرباط
03:14 صباحا
قراءة 4 دقائق
الرباط: محمد إسماعيل زاهر

المسرح فسحة للتأمل، ذلك ما يخرج به متابع عروض المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية في دورته الرابعة المقامة في العاصمة المغربية الرباط، فأفكار حول اغتراب الإنسان المعاصر والهوية وصراعاتها المتعددة الأبعاد، هي أفكار ربما نندهش إذا عرفنا أن طلاباً لا يزالون في مقتبل العمر يطرحونها بقوة في ثلاث مسرحيات قصيرة شهدها المهرجان.
في العرض الأول الذي جاء بعنوان «لا تقتل أعزاءك»، تستلهم مجموعة تتكون من تسعة طلاب من جامعة «أولترخت» الهولندية ملهاة بعنوان «ليونس ولينا» للمسرحي الألماني كارل جورج بوشنر كتبها في منتصف القرن التاسع عشر ليسخر فيها من العلاقات العاطفية في أوساط الطبقة الأرستقراطية، وهي الفكرة التي حاول الطلبة التعبير عنها عبر معالجة تعمد إلى كشف وتفكيك مفهوم الحب في تجلياته المختلفة.
العرض الهولندي جاء لافتاً، ونجح في وضع المشاهدين في قلب اللعبة الدرامية، في البداية يستقبل الممثلون الجمهور في كواليس مسرح محمد الخامس، لنكتشف بعد ذلك أن العرض يدور في الكواليس نفسها، وأن الممثلين يتجولون بيننا ونحن نجلس على الأرض، يرقصون ويقرؤون ويعزفون ويشخصون بين الجمهور، بل يدفعون المشاهدين أنفسهم لكي يتحركوا مع تنقلاتهم المختلفة، فأمامك خشبة بسيطة للعرض وخلفك شاشة صغيرة تضطرك أحيانا لكي تستدير لتتابع مجريات المسرحية، وربما لا تلبث أن تجد أحد الممثلين بجوارك يسير وهو يتلو نصاً ما، وبعد قليل تتسرب مقطوعة موسيقية إلى أذنيك فتنتبه بحثاً عن مصدر الصوت. لا حواجز ولا حدود بين الممثلين ومتابعيهم، وأحيانا تنفصل فتاة ما عن المجموعة لتمارس دور المخرجة، تصرخ في رفاقها، أو توجههم، وتطلب منهم التعبير بصورة أفضل عن مشاعرهم.
ما هو الحب؟ يطرح العرض هذا السؤال على المستويات كافة، على مستوى الفرد و المجتمع. يبدأ العرض بما يشبه اللوحة الدراسية التي تمتلئ بكلمات تدور جميعها حول الحب ومرادفاته، لوحة ربما تدخلنا داخل ذاكرة شخص ما تحن إلى الماضي الذي لا يمكن استعادته، ثم ينتقل العرض إلى رصد تاريخ الحب، أو على وجه الدقة تاريخ الأدوات والتقنيات التي وظفها البشر للتعبير عن عواطفهم، فهناك الخطابات الورقية، والأشعار والموسيقى الكلاسيكية مصحوبة بمشاهد سينمائية وصور بالأبيض والأسود، هنا وعبر الأداء ومن خلال التعبير الجسدي والنبرة الهادئة والصور الشبيهة بالظلال، استطاع الممثلون أن يمنحونا جرعة من الرومانسية، ثم ننتقل مرة أخرى إلى شاشة نقرأ عليها رسائل إلكترونية، «واتس آب»، بين البطلين، مصحوبة بموسيقى سريعة وصاخبة، وحوارات يعتذر فيها البطل لعدم قدرته على الإخلاص لمحبوبته، والتي لا تلبث أن تغني مرثية حزينة تنعى فيها زيف المشاعر في عالم لا يؤمن إلا بقيم السوق، ونجح الطلاب في التعبير عن الحب بوصفه حالة تبدأ بين اثنين وتتسم بأطوار وتقلبات مختلفة تتأثر فيها بمختلف المتغيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
جاء العرض باللغة الألمانية والإنجليزية، وتميز ببساطة في كافة مفرداته، مع قدرة على الإقناع عبر الإضاءة، والتي وظفها العرض جيدا، والأهم تلك الحوارات التي تتناول الحب كقيمة أساسية تتماهى مع وجود الكائن الإنساني نفسه، والذي يبدو أنه يعيش الآن في واقع لا مكان للحب فيه.

أزمة الآخر

«لا مكان للغريب بيننا»، هذه هي الرسالة التي حاول العرض الإيطالي «آلة البينوكيو» توصيلها إلى الجمهور. الأبطال مجموعة من طلبة أكاديمية المسرح في روما، يوظفون في عملهم شخصية الدمية بينوكيو الشهيرة التي ابتكرها الروائي الإيطالي كارلو كولودي في عام ألف وثمانمئة وثمانين، وترجمت مغامراتها إلى معظم لغات العالم، وتحولت إلى قصص مصورة وإلى العديد من الأفلام السينمائية.
يتناول العرض علاقة الطفل/‏ الدمية صاحب الأنف الطويل غير المرغوب فيه مع المحيطين به، وتكثر فيه الحوارات حول طبيعة التواصل بين البشر الذين ينتمون إلى ثقافات مختلفة، ويناقش علاقة الأنا بالآخر، وقد نجح استخدام الطلبة للغتين الإيطالية والإنجليزية في الحوار في توصيل الفكرة التي يودون التعبير عنها إلى المتلقين، ففي حوار سريع ودالّ، يقول أحدهم مخاطبا الآخر: «أنت تتكلم لغة أخرى، إذن فأنت تنتمي إلى بلد آخر، إذن فأنت غريب ولا مكان لك بيننا، أنت لست منا». وإذا كان العرض الأول يتناول الحب كهوية تساوي الإنسان، هوية تغيب عن حياتنا بفعل سيادة قيم العولمة، فإن «آلة البينوكيو» تتطرق أيضا إلى الهوية، ولكنها هوية مغايرة للمعنى السابق، تتمثل في محاولة البعض التمايز عن الآخرين، وتشكيل هويات ضيقة تتمترس حول مفاهيم مغلقة تتعلق باللغة والثقافة، هويات قاتلة لا تعترف بالاختلاف. فطالما هناك أنا يتمحور حول حدوده الشديدة الخصوصية، فسيظل هناك آخر لا يمكن التفاهم معه.

شخصيات مبعثرة

«الرجل المفكك»، عرض مغربي يدور أيضا حول فكرة الهوية، هنا نحن أمام رجلين، وفضاء مكاني يقع بدوره في كواليس مسرح محمد الخامس، وتركيز على الإضاءة والأداء الجسدي، وحوارات بين الشخصيتين تبدو وكأنها لا رابط بينها، ومناخات تحاول تلك الحوارات أن تنقلنا إليها عبر تشخيص مواقف نجد أنفسنا فيها يوميا تتماس مع كل واحد فينا، وتبادل للأدوار بين البطلين، بل يتقمص أحدهما في موقف ما شخصية حبيبة الآخر، وأحاديث حول الحب والكراهية، الفرح والألم..الخ.
في «الرجل المفكك» مستوى ثالث من الهوية يتعلق بالفرد واستقلاله، ومدى فعاليته وإحساسه بذاته ورؤيته لموقعه في العالم، فلكي نكون بشراً لا بد لنا من الإيمان بذواتنا أولاً حتى ننخرط بطريقة طبيعية ومجدية في علاقات صحية وبناءة مع الآخرين.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"