د. حسن مدن

يشفق الشاعر جوزيف حرب، في كلمات عذبة غنّتها السيدة فيروز، بألحان الرائع فيلمون وهبي، على ذوينا الذين اختاروا لنا أسماءنا بعد ولادتنا: «اسامينا شو تعبو أهالينا تلاقوها/ وشو افتكرو فينا»، مع أن الأسماء ليست سوى مجرد كلام، وأن أسماءنا الحقيقية هي في لون وشكل أعيننا: «الأسامي كلام.. شو خص الكلام.. عينينا هني أسامينا»، فلو جمعنا أسماء العشاق من الكتب المنسية، والقصائد العتيقة، وأشعلنا فيها النار حسب جوزيف حرب لتحولت بسرعة إلى رماد دون أن تدفئنا.
لكن مي زيادة، أو الآنسة زيادة، كما كان أصدقاؤها ينادونها، وكما كانت تحب أن يكتب اسمها متصدراً مقالاتها وكتبها، لا ترى الرأي نفسه، وهي في أحد كتبها الجميلة وقفت أمام موضوع الاسم هذا، قائلة إننا حين نسمع الاسم والكنية، للمرة الأولى «نصغي إلى همسٍ خفي، كأن لهما ذاتاً خفية وراء المعنى الظاهر، متسائلة: «أليس من هذه الروحانية المستترة استخرج معنى الحساب بالأرقام والحروف، الذي لا يستهان به في أصوله الفيثاغورية».
لا يمكن أن نغفل هنا أن: اسم مي، ليس هو الاسم الحقيقي، أو الأول للآنسة مي، وهي في إحدى رسائلها لجبران خليل جبران، أوضحت الأمر بالطريقة التالية: «أمضي مي بالعربية، وهو اختصار اسمي، ويتكون من الحرفين الأول والأخير من اسمي الحقيقي الذي هو ماري، وأمضي إيزيس كوبيا بالفرنجية، غير أن لا هذا اسمي ولا ذاك، إني وحيدة والدي، وإن تعددت ألقابي».
لكن مديحها للاسم الذي وهو المديح الذي يخالف ما ذهبت إليه كلمات جوزيف حرب بصوت فيروز جاء في إطار دراستها لسيرة الشاعرة المصرية عائشة التيمورية (1840- 1902)، التي تجاوزت نساء عصرها بالمعرفة والفهم، وكان اسمها في الأصل عصمت، ولكنها اختارت أن تعرف بعائشة، ومن اسم جدها تيمور اختارت لنفسها لقب التيمورية.
وعنونت الآنسة مي، الجزء الذي خصصته، في الكتاب، للحديث عن اسم الشاعرة بالتالي: «حبها لاسمها»، متحدثة عن شغف عائشة التيمورية بهذا الاسم، كأنها مأخوذة باعتقاد شرقي قديم، بأن الاسم ينزل على صاحبه من السماء، أو كأنها تتشبه بذلك الفيلسوف الهندي الذي كان يقضي الوقت الطويل مُكرراً لنفسه اسمه، حتى تتكشف له حجب الغيب فتستيقظ ذاته البصيرة العليمة، رائية ما يجري على بعد مسافات.
جميل معنى «عائشة»، تقول الآنسة مي، أما تيمور فعلى عهدة من شرح وفسر لها، فلفظة تركية معناها الحديد والصلب، الذي لم يصقل بعد، ولذلك يخطئ من يطلق لفظة تيمورلنك عليه للتصغير؛ لأن معنى تيمورلنك هو نصل السيف المصقول، ولكن عائشة لم تأخذ الاسم كما هو، وإنما أطلقته على نفسها بصيغة النسبة، متعمّدة أن يكون اللفظ في صيغة المؤنث، فلم تقل عائشة تيمور، وإنما عائشة التيمورية، بشحنة تحمل الاعتزاز والاعتداد.

[email protected]