تختلف النظرة إلى ما يدعى «نوستالجيا»، أو الحنين إلى الماضي، بين قائلين بأنها شعور إنساني حميد، يعبّر عن شوق الإنسان إلى أحبّة وأمكنة وأزمنة، فقدناها، وبين من يرى في هذه «النوستالجيا» مرضاً نفسياً، فما مضى قد مضى، وعلى المرء أن يلتمس لنفسه طرق السعادة في حاضره، لا أن يبقى مشدوداً لماضٍ لن يعود.
يقال إن مفردة «نوستالجيا» مأخوذة من اللغة الإغريقية القديمة، وتعني «ألم العودة إلى الوطن»، ويقال أيضاً إن أوّل من صاغ هذا المفهوم طبيب سويسري يدعى يوهانس هوفر، عاش في القرن السابع عشر، وتطالعنا تنويعات على دلالة المفردة في الثقافات المختلفة، بينها «الشوق الكئيب إلى المحبوب الغائب»، عند البرتغاليين، و«الحزن على الأزمنة الفانية» عند اليابانيين، والأبابة (شدّة الحنين إلى الوطن) عند العرب، التي جسّدها، على خير وجه، الوقوف على الأطلال في الشعر العربي القديم.
وإذا كان الحنين يعزز فهم الأفراد لهويتهم التي تتشكل من خلال تجاربهم، ومحطات تاريخهم، وتقوّي في النفوس روح الإلهام، والتفكير الإبداعي، والتفاؤل، فإنّ لها، من جانب آخر، سلبيات، فقد يجرّ التمسك المفرط بالماضي إلى العزلة والاكتئاب، وقد يتحوّل إلى هروب من الواقع، وعجز عن التأقلم مع الحاضر.
ينبئنا المختصون أن الحنين أنواع، فهو ليس حنيناً إلى زمنٍ جميل بات ماضياً فقط، فقد يحدث أن ينتابنا الشوق، ويا للمفارقة، إلى واقع ما زلنا نعيشه حالياً، مسكونين بالقلق من مستقبل يجعل من أوجه الجمال والبهجة في حاضرنا ماضياً بعد حين، وقد يشمل ذلك الحنين إلى ذواتنا الحاضرة نفسها، شعوراً بأن أوجهاً كثيرة منها ستذوي مع تقدّم العمر.
«يا خوف فؤادي من غدٍ»، هكذا غنت أم كلثوم من كلمات الهادي آدم. إنه حنين استباقي، قد تكون له فوائد، كحثّنا على أن نستمتع بالحاضر الذي نحن فيه، إذا كان سعيداً بالطبع، بل إن أم كلثوم تكاد تجزم أن «الحاضر أحلى»، حتى لو كان الغيب حلواً، لكنّ للأمر وجهاً آخر سلبياً، فهذا النوع من الحنين قد يُضعف من استمتاع الإنسان باللحظة الحالية، لانشغال الذهن بشعور الفقد قبل أن يحدث، وقد يرافقه قلق، أو حزن، يفسدان سعادة حاضرنا، كما لو أن الحاضر سيصبح ماضياً غداً، أو بعد غد.
لا مفرّ من الشعور بالحنين المتوقع، لأننا ندرك أن اللحظة السعيدة غير دائمة، ولكن ليس متعيناً أن نجعل ذلك مدعاة للكآبة، بل عيش كل ما في هذه اللحظة من أوجه سعادةٍ وبهجة، فلا تُدرك قيمة الأشياء إلا حين الشعور بأنها قابلة للزوال، فنشعر كم هي غالية رفقة الحبيب، أو ضحكة الصديق، أو التسكّع في طريق نحبه، والجلوس في مقهى يروق لنا.
حنين لحاضر لم يصبح ماضياً
5 ديسمبر 2025 00:19 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 ديسمبر 00:19 2025
شارك