من الأغاني الجميلة التي أدّتها فيروز لابنها زياد، أغنية «خمس دقايق بس»، وربما لو لم يكن زياد هو ملحن الأغنية وكاتب كلماتها، ما كانت فيروز ستغنيها، ليس لأنها ليست جميلة، وإنما لأن كلماتها قصيرة جداً، ومحدودة، حيث غلبت الموسيقى عليها، بما يناسب روح الأغنية ومحتواها، بكلماتها القائلة: «أنا فزعانة تقوم، عن جَد تنساني/ ويمكن حبك جد، بس أنا تعبانة/ اعطيني خمس دقايق بس/ تسمّع ع الموسيقى.. موسيقى/ لاحق تروح».
لم تطلب الحبيبة من الحبيب، في الأغنية، أكثر من خمس دقائق، لأنها «تعبانة». تريد منه البقاء، خشية أن يذهب وينساها، وفي كلّ الأحوال فإنه «لاحق يروح».
ما ذكّرنا بهذه الأغنية محتوى تقرير شائق كتبته رحاب إسماعيل، ونشر على موقع «بي. بي. سي»، يدعو أيضاً إلى منح خمس دقائق، يومياً، لا للبقاء مع الحبيب وسماع الموسيقى معه، فالحبيب يستحق الساعات، والأيام، والأسابيع، والشهور، والسنوات، وإنما للتأمل، كعلاجٍ لما قادنا إليه عصرنا السريع الذي بتنا في لجّته، طائعين أو مكرهين، فلم نعد نجد وقتاً للخلوة مع الذات، والتأمل من أجل التأمل، فنحن، حسب هذا التقرير، نقضي معظم ساعات يومنا أسرى للتفكير، حدّ قمع ذواتنا، فلا نعود نمنحها ولو بعض الوقت، ونحن في دوامة الأفكار التي لا تهدأ.
تنقل كاتبة التقرير عن دراسات علمية قولها «إن الإنسان قد يمرّ بأكثر من ستة آلاف فكرة يومياً، ما يفسر حالة التوتر الذهني المزمنة لدى كثيرين»، ومن هنا تنشأ حاجتنا إلى التأمل كضرورة من ضرورات لا الصحة النفسية وحدها، وإنما الجسدية أيضاً، للتخفيف من إيقاع الحياة السريع، «عبر الجلوس مع الذات ومراقبتها، من دون سعي إلى إنجاز، أو أداء مهمة».
ربما لهذا السبب بالذات، نال التأمل يوماً عالمياً له، مرّ قبل أيام قليلة، في الحادي والعشرين من هذا الشهر، ديسمبر/ كانون الأول، بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتذكير الناس لا بحقهم في التأمل فقط، وإنما بواجبهم في أن يمنحوه وقتاً، حتى لو كان «خمس دقايق بس»، حسب فيروز وزياد، لكسر الرتابة، فكلنا نحتاج إلى بعض الوقف كي تتخفف أذهاننا مما يثقلها، بما يخفف التوتر، ويساعدنا على استعادة ولو بعض الصفاء، وحسب بابلو نيرودا: «يموت ببطء من يصير عبداً للعادة/ من يستعمل كل يوم نفس الطريق».
وعن جمال التأمل يقول محمود درويش: «حين تُطيلُ التأمُّلَ في وردةٍ/ جَرَحتْ حائطاً وتقول لنفسكَ: لي أَملٌ في الشفاء من الرمل/ يخضرُّ قلبُكَ../ حين تَعُدُّ النجومَ وتخطئ بعد الثلاثة َ عشرَ/ وتنعس كالطفل في زُرقَة الليل ِ/ يبيضٌّ قلبُك / حين تَسيرُ ولا تجد الحُلْمَ/ يمشي أَمامك كالظل/ّ يصفرٌّ قلبك».