كثيرة هي المرات التي يعرض فيها عليّ من يجلسون على منصة الدفع في «السوبرماكت» أو في السوق الحرة بالمطار، وأنا أهمّ بدفع ثمن ما اشتريت قائلين: ما رأيك لو تشاركنا في السحب، الذي يصفونه، أحياناً، بالكبير على سيارة فخمة، أو على جائزة مالية كبيرة؟ وصار ردي عليهم لازمة على لساني كلما سمعت العرض: «هذا للمحظوظين فقط، أنا لست محظوظاً، لذلك لا فرصة لي بالفوز لو اشتريت تذكرة السحب على الجائزة الموعودة».
بعض من يسمعون ردي من الجالسين أمام حواسيب المحاسبة يكتفي بابتسامة يمكن وصفها بالساخرة على ما سمعه مني، وبعضهم يطيب له أن يقول: «جرّب، يمكن أن تفوز هذه المرة.. ما أدراك»، لم يحدث أن أخذت بالنصيحة، ولم أجرب.
أقول ذلك من باب الدعابة فقط، كلّ الناس هم مزيج من الحظ واللا حظ، هي حالنا جميعاً، ربما يغلب الحظ أحياناً في حياة البعض، و«اللا حظ» في حياة آخرين، لكن لا نحسب أن هناك حياة مقتصرة على الحظ، وأخرى على نقيضه، ولو تأملنا في أحاديثنا اليومية، سنلاحظ أنه لا يكاد يمرّ يوم دون أن ترد على ألسنتا عبارات من نوع: «لحسن حظي..» أو «لسوء حظي..»، ونقول عن أحدهم بنبرة تتراوح بين الغبطة والحسد: «إنه محظوظ»، وعن آخر بنبرة تتراوح بين التعاطف والأسى: «مسكين هو يستاهل، لكن الحظ لا يحالفه».
لكن ما هو الحظ؟ أتكون هذه المفردة المبهمة هي من يحدد مسارات الأفراد، وربما الجماعات؟ أيعمل الحظ خارج قوانين الحياة، موضوعية الطابع لا ذاتيته، بينما مسار حياة الناس لا تحدده حظوظهم، وإنما الظروف التي يمرون بها، والبيئة التي نشأوا فيها. وتكرار نسبة الأمر للحظ قد يتحوّل إلى ذريعة لتبرير الإخفاق والعجز من جهة، وتجاهل مواهب الأفراد ومهاراتهم التي تجعل منهم ناجحين من جهة أخرى، وكذلك جاهزية الجماعات للتقدم.
تقودنا ثنائية «حسن الحظ» و«سوء الحظ» إلى ثنائية أخرى ذات جوهر فلسفي، هي المصادفة والضرورة، التي عليها يترتب سؤال: هل ما تشهده المجتمعات، والعالم كله، من تحولات نتاج المصادفة، أم هو ضرورة يفرضها مساق التطورات، لا في حياة الأفراد وحدهم، وإنما أساساً في تطور المجتمعات التي تحدد، بصورة وبأخرى «حظ» أو «لا حظ» أفرادها؟ فالمصادفة التي تشير إلى وقوع حدث دون سابق تخطيط لا تنفي السببية.
الحظ، إن جاز لنا التسليم به، قد يكون قرين المصادفة، ولكن حتى المصادفة لا تأتي قبل أن يحين أوانها، ما من مصادفة إلا ولها مقدّماتها. كل ما في الأمر أننا لم نبصر هذه المقدّمات ولم نحسب حسابها، فبدا لنا ما يحدث مجرد حظ أو لا حظ.
لحُسن الحظ.. لسوء الحظ
19 ديسمبر 2025 01:32 صباحًا
|
آخر تحديث:
19 ديسمبر 01:32 2025
شارك