د. حسن مدن

أحياناً نقول لشخصٍ طلب منا أمراً أو رأياً: «دعني أفكر وأردّ عليك». ويحدث أيضاً أن نحثّ أحداً يهمنا بالقول: «لا تستعجل في الإقدام على الخطوة قبل أن تفكر في ذلك جيداً». في أكثر من موضع في القرآن الكريم ترد عبارة: «أفلا تعقلون»، أو «لعلّكم تعقلون»، وهي دعوة لإعمال العقل وشحذ التفكير حول أمور الحياة والكون: «اَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا»، ودعوة للنظر في النفس البشرية ذاتها: «وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون». وفي الآية الواردة في سورة الإسراء: «ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» ردٌ على أدعياء المعرفة ممن يحشرون أنفسهم في ما لا يفقهوا فيه أمراً.
حين نتحدث عن «الذي لا يفكر» ليست الغاية وصف شخصٍ يعاني نقصاً في قدراته الذهنية بالضرورة، فعدم التفكير ليس حالاً من الفراغ العقلي، وإنما هو نقطة تقاطع بين أسئلة الوجود، والمجتمع، والأخلاق، والمعرفة، فالتفكير مهمة لا تنجز نفسها بنفسها، و«من لا يفكّر» ليس غافلاً بالضرورة، بل هو منساق في تيار الحياة، يكتفي بما يظهر أمامه، ويعيش في مستوى أولي من الوجود حيث كل شيء يُؤخذ كما هو، راكناً إلى ما هو مستقر دون محاولة مساءلته، بشحذ الفكر، مستخدماً ما حباه الله به من قدرات ذهنية.
في عصرنا الراهن حيث يسود نمط الحياة الاستهلاكية وسطوة وسائل الاتصال الرقمية، نجد أنفسنا، طائعين أو مكرهين، أمام صورة جديدة من «عدم التفكير»، فأمام طوفان ما تبثه هذه الوسائل من الصور والأخبار والفيديوهات، يصبح العقل مثقلاً بالمعلومات لكنه فقير في المعنى، فرغم التدفق غير المنقطع للمحتوى، فإنه لا يحثّ على التفكير، كما يتراءى لنا، بمقدار ما يجعل التفكير مرهقاً، وحسب مفكري مدرسة فرانكفورت فإن الإنسان الذي لا يفكّر ليس كسولاً بالضرورة، لكنه، بحكم العادة، يصبح مستهلكاً لما يبث من محتوى يجعل منه عبداً للطاعة والتكرار، فيفعل ما يراد منه دون أن يفكر فيه.
من أوائل من حذروا من عدم التفكير في الفلسفة المعاصرة حنه آرنت (1906- 1975)، التي مرت مؤخراً الذكرى الخمسون لوفاتها، حين رأت أن «ما يصنع الشر ليست الفظائع الكبرى وحدها، بل الأفعال الصغيرة التي ينفذها أشخاص (لا يفكّرون)»، فلا يراجعون ما يتخذونه من قرارات ولا يسألون عن عواقبها، ويعفون أنفسهم من مسؤولية تداعياتها المدمرة في الكثير من الحالات. التفكير، برأي آرنت، «لا يحدث في حضور الآخرين، بل في حوار الإنسان مع نفسه»، أو ما تسميه «الثنائية في الواحد».
لعلّ أجمل تعبير قرأته يلخص الآمر هو القائل: «من يفكّر يخلق عالمه، ومن لا يفكّر يعيش في عالم صُنع له».