د. حسن مدن

يرى جان بول سارتر، أن المثقف ضمير شقي، يؤدي مهام لم يكلفه بها أحد. وبرأيه أن المثقف هامشي على صعيد الإنتاج، فهو ليس عاملاً يدوياً ولا رأسمالياً، ودائرة نفوذه هي «الوعي» الذي لا يعترف بأهميته أحد.

المثقف ضمير؛ لأنه مفعم بالمسؤولية وبالحس الإنساني العالي، وشقي لأنه لا يركن إلى اليقين، ويتميز بالعقل الناقد حين تكون الحقيقة لديه مفتوحة متجددة، وليست وثوقيات نهائية.

بعد عقود على هذه المقولة، سيحذر إدوارد سعيد، من أن صورة المثقف يمكن أن تختفي في كتلة كبيرة من التفاصيل، بينما مهمته هي طرح الأسئلة المربكة ومواجهة التزمّت، وأن يكون عصياً أو صعباً على التدجين.

ربما تكون مقولة إدوارد سعيد، تنويعاً على ما قاله سابقوه، إلا أنه ذهب أبعد منهم في بلورة بعض المفاهيم حول المثقف، كأطروحته حول المثقف بوصفه ممثلاً لموقف؛ حيث يرى أنه لدى المثقفين استعداد فطري للتعبير، أكان ذلك حديثاً أو كتابة أو تدريساً أو ظهوراً على شاشة التلفزيون، وهو أمر يتضمن الالتزام والمجازفة، والجرأة وقابلية السقوط معاً.

عندما يُنظر إلى الحياة العامة الحديثة كرواية أو دراما لا كعمل تجاري، يمكننا أن نرى ونفهم بسهولة كيف يقوم المثقفون بدور تمثيلي فيها، ليس فقط لحركة اجتماعية ما، بصرف النظر عما إذا كانت محدودة أو واسعة الانتشار؛ بل لأسلوب حياة وأداء اجتماعي، وحتى لو زعم المثقف أنه محايد، فإنه يتعين «النبش» في ما يكتب لكشف زيف زعمه.

في تعداده للضغوط التي تواجه المثقف، يستند إدوارد سعيد على عبارة لسارتر تقول: «إن المثقف لا يكون مثقفاً إلا عندما يحاصره المجتمع ويغريه ويطوقه، ويستبد به ليكون شيئاً أو آخر؛ لأنه فقط عندئذ وعلى تلك القاعدة يمكن أن يبني العمل الفكري».

يمكن الوقوف هنا أيضاً أمام اسم معاصر هو الفرنسي ريجيس دوبريه، الذي انشغل بتعريف من يكون المثقف، معتبراً إياه ذلك الشخص الذي يريد أن يمارس تأثيراً في الغير، من خلال إنتاج سلسلة من الرموز والنصوص والكتب.

وحين يقارن بين تجربته وهو شاب ثائر رفقة تشي جيفارا في أمريكا اللاتينية، وتجربته اللاحقة في فرنسا، يلاحظ أن العملية السياسية داخل فرنسا أقل حيوية مما هي عليه في أمريكا اللاتينية.

قاده ذلك إلى التفكر في أمر هذا التفاوت داخل لحظة تاريخية واحدة في زمننا المعاصر، بين بيئة اجتماعية ثقافية وأخرى، دون أن يمنح الغلبة على جري كثيرين غيره للغرب الأوروبي.

[email protected]