التقيتُ مؤخراً أكاديمياً من تونس، يصر في حديثه الجانبي، أو في مداخلاته، على استبدال العبري بكلمة العربي، حين يريد أن يصف الربيع العربي، فهو لا يفعل ما درجنا عليه حين نضع عبارة الربيع العربي بين مزدوجين، وهما مزدوجان حين يحيطان بأي كلمة، أو عبارة يُلبسانها ثوب الشك، أو الشبهة، ولا يجري على جرينا حين نسبق مفردة الربيع العربي بعبارة: «ما يسمى» التي تحمل، تقريباً، الدلالة نفسها التي يحملها المزدوجان حين يحيطان بالعبارة.
لهذا الأكاديمي أسبابه في ذلك. سيقول قائل إن الرجل مأخوذ بنظرية المؤامرة التي تصور كل ما يجري لنا من كوارث على أنه من فعل فاعل من خارج دائرتنا، يريد بنا السوء، لكن حين يدور الحديث عن «الدولة العبرية» التي قرّر نتنياهو أن يجعل منها كذلك قولاً، بعد أن كانت ذلك فعلاً عبر دفعه للكنيست بقانون «القومية» سيئ الصيت، فإنه لا مجال للتشكيك في أنها، أي هذه الدولة، لا تضمر لنا خيراً. كان هذا في الماضي منذ أن كانت فكرة في رؤوس ميليشيات صهيونية تحلم ب«أرض الميعاد» إلى أن استوت كياناً بتمكين دولي، وما تلى ذلك التمكين من حروب، واحتلالات.
ولمن يتطيرون من عبارة «نظرية المؤامرة» نقترح بديلاً هو: مخططات الدول واستراتيجياتها. فالدول، خاصة حين تكون كبيرة، أو قوى عالمية، تفكر في مصالحها البعيدة، وهي مخططات لا تبنى على مشاعر الحب والكراهية، وإنما على المصالح، من دون أن ينفي ذلك بأنه يجري توظيف الشوفينية، والعنصرية، والاستعلاء القومي، وما إليه، في تسويق تلك الخطط، و«تزييت» مفاصلها كي تتحرك بفعالية أكبر.
زميلنا الراحل خيري منصور، رحمه الله، ذكر مرة أنه حضر في العام 2005 محاضرة لكوندوليزا رايس، مستشارة الأمن القومي في إدارة بوش الابن، في الجامعة الأمريكية في القاهرة، خلالها بشّرت بما أسمته «استراتيجية التفكيك» التي فعلت فعلها في تفكيك الاتحاد السوفييتي، وللتذكير فإن رايس مختصة بالشأن السوفييتي، فهي في الأصل أكاديمية في العلاقات الدولية، حتى قيل إنها درست اللغة الروسية من أجل ذلك.
وكانت رايس تلمّح إلى أن هذه الاستراتيجية ستجد طريقها إلى التنفيذ في شرقنا العربي، أو دعونا نقُل في عالمنا العربي كله، وفي تعليقه على قولها هذا تمنى خيري لو أن العرب أخذوا تهديدها هذا، حتى لو صِيغ دبلوماسياً، مأخذ الجد، كما يأخذون بالجد التوقعات الجوية، فحين يقال إن الثلج سيسد الشوارع، أو أن البرودة ستنخفض إلى تحت الصفر، فإن الناس يأخذون ما يلزم من احتياطات.
ما جدوى التمني الآن. التفكيك أمر واقع في راهننا. و«الربيع العربي» الذي أتى محمولاً على موجات من الغضب الشعبي انحرف مساره تماماً، فصودرت كل الأحلام التي رافقته في أن يصبح بشارة عهد جديد، فلم يجد زميلنا التونسي غضاضة في وصفه بالربيع العبري، وهو في هذا القول ليس الوحيد.
عربي أم عبري؟
3 أكتوبر 2018 04:56 صباحًا
|
آخر تحديث:
3 أكتوبر 04:56 2018
شارك
د. حسن مدن