د.حسن مدن
هناك قامات من الرجال ومن النساء، في السياسة وفي الفن، والإبداع عامة، وفي العلم لا تتكرر. في التعبير الدارج عن حال مثل هذه نقول: إن الزمن لا يجود بأمثالها. لا لأن الزمن كفّ عن أن ينتج مواهب ومبدعين متميزين، لكنه لا يقدم كل سنة أو عشر سنوات شكسبير جديداً، أو بوشكين جديداً، أو المتنبي جديداً.
في شهادة لفريدريك إنجلز عن صديقه ورفيقه كارل ماركس بعد وفاته قال: «نحن في أحسن الأحوال موهوبون، أما هو فكان عبقرياً»، والمقصود ب«نحن» في العبارة أعلاه حلقة الأصدقاء والناشطين المحيطين بماركس في حياته.
تصح هذه العبارة للقياس على القامات التي نحن بصدد الحديث عنها، والتي تتضافر في صنع مجدها وتألقها وتميزها عوامل عدة، تمليها في الأغلب ظروف وشروط العصر الذي عاشت فيه هذه القامات.
للسيدة فيروز، مثلاً، صوت جميل، نادر، استثنائي، وذكي، وأستعير صفة ذكاء الصوت هنا من الألماني باتريك زوسكيند في نصه المسرحي الجميل: «الكونتراباص»، ولكن جمال وذكاء وندرة صوت فيروز لم تكن وحدها من صنع ما يمكن أن نطلق عليه: «الظاهرة الفيروزية».
هذه الظاهرة هي نتاج تلاقي صوت فيروز مع المدرسة الموسيقية والشعرية الرحبانية، ومع موسيقيين كبار آخرين مثل فيلمون وهبي، وشعراء كبار آخرين مثل سعيد عقل وجوزيف حرب وسواهما. وهؤلاء جميعاً نتاج مقطع زمني ذهبي في لبنان بعد الاستقلال مملوء بالوعود والآمال والمشاريع الكبرى على غير صعيد، يوم كان لبنان هو لبنان، لا لبنان الحروب والميليشيات وساحة صراع القوى الخارجية.
ما يقال عن السيدة فيروز يمكن أن يقال عن السيدة أم كلثوم. هي الأخرى نشأت وبرزت موهبتها في مصر أخرى، مصر زمن آخر، وكما الظاهرة الفيروزية، فإن الظاهرة الكلثومية تضافرت في صنعها عوامل أخرى: ملحنون كبار، شعراء كبار، بيئة خلاقة أخرى لم تعد متوفرة، فالزمن الذي عاشت فيه كان زمن مشاريع كبرى، طموحة، وليس مهماً هنا مآل هذه المشاريع، فما يعنينا هنا أنها كانت ملهمة ومحفزة. لذلك نشعر بالقرف حين نسمع مطربة تافهة، من الدرجة العاشرة، من مطربات هذا الزمن الأغبر تشبه نفسها بأم كلثوم.
هذا في الغناء والموسيقى. يمكن أن نقول الشيء نفسه في مجالات إبداعية أخرى: في الشعر وفي الأدب عامة، وفي المسرح وفي السينما، وفي الصحافة أيضاً، ما دمنا ما زلنا في أجواء رحيل «الجورنالجي» الكبير محمد حسنين هيكل الذي كان نتاج زمن لن يعود.
هناك قامات من الرجال ومن النساء، في السياسة وفي الفن، والإبداع عامة، وفي العلم لا تتكرر. في التعبير الدارج عن حال مثل هذه نقول: إن الزمن لا يجود بأمثالها. لا لأن الزمن كفّ عن أن ينتج مواهب ومبدعين متميزين، لكنه لا يقدم كل سنة أو عشر سنوات شكسبير جديداً، أو بوشكين جديداً، أو المتنبي جديداً.
في شهادة لفريدريك إنجلز عن صديقه ورفيقه كارل ماركس بعد وفاته قال: «نحن في أحسن الأحوال موهوبون، أما هو فكان عبقرياً»، والمقصود ب«نحن» في العبارة أعلاه حلقة الأصدقاء والناشطين المحيطين بماركس في حياته.
تصح هذه العبارة للقياس على القامات التي نحن بصدد الحديث عنها، والتي تتضافر في صنع مجدها وتألقها وتميزها عوامل عدة، تمليها في الأغلب ظروف وشروط العصر الذي عاشت فيه هذه القامات.
للسيدة فيروز، مثلاً، صوت جميل، نادر، استثنائي، وذكي، وأستعير صفة ذكاء الصوت هنا من الألماني باتريك زوسكيند في نصه المسرحي الجميل: «الكونتراباص»، ولكن جمال وذكاء وندرة صوت فيروز لم تكن وحدها من صنع ما يمكن أن نطلق عليه: «الظاهرة الفيروزية».
هذه الظاهرة هي نتاج تلاقي صوت فيروز مع المدرسة الموسيقية والشعرية الرحبانية، ومع موسيقيين كبار آخرين مثل فيلمون وهبي، وشعراء كبار آخرين مثل سعيد عقل وجوزيف حرب وسواهما. وهؤلاء جميعاً نتاج مقطع زمني ذهبي في لبنان بعد الاستقلال مملوء بالوعود والآمال والمشاريع الكبرى على غير صعيد، يوم كان لبنان هو لبنان، لا لبنان الحروب والميليشيات وساحة صراع القوى الخارجية.
ما يقال عن السيدة فيروز يمكن أن يقال عن السيدة أم كلثوم. هي الأخرى نشأت وبرزت موهبتها في مصر أخرى، مصر زمن آخر، وكما الظاهرة الفيروزية، فإن الظاهرة الكلثومية تضافرت في صنعها عوامل أخرى: ملحنون كبار، شعراء كبار، بيئة خلاقة أخرى لم تعد متوفرة، فالزمن الذي عاشت فيه كان زمن مشاريع كبرى، طموحة، وليس مهماً هنا مآل هذه المشاريع، فما يعنينا هنا أنها كانت ملهمة ومحفزة. لذلك نشعر بالقرف حين نسمع مطربة تافهة، من الدرجة العاشرة، من مطربات هذا الزمن الأغبر تشبه نفسها بأم كلثوم.
هذا في الغناء والموسيقى. يمكن أن نقول الشيء نفسه في مجالات إبداعية أخرى: في الشعر وفي الأدب عامة، وفي المسرح وفي السينما، وفي الصحافة أيضاً، ما دمنا ما زلنا في أجواء رحيل «الجورنالجي» الكبير محمد حسنين هيكل الذي كان نتاج زمن لن يعود.