الحقيقة جزء من الإبهار ومتعة المشاهدة، وتمنح أي عمل رصيداً إضافياً وسبباً مقنعاً للنجاح. حين تعلم أن كل مشاهد الأكشن الخطيرة، وأن كل مشهد تراه أمام عينيك هو «حقيقة» عاشها طاقم العمل، واختبر كل أحاسيس الخوف والإثارة والتشويق ورهبة السقوط والفشل والنجاح قبل أن ينقلها إليك بدقة متناهية، بلا دوبلير أو فبركة وخدع بصرية وتدخل الكمبيوتر.. تزداد إعجاباً بالفيلم الذي تشاهده، كما تشعر بالمزيد من الاحترام والتقدير لذلك المجهود الجبار الذي قام به الأبطال والمخرج وكل من ساهم في العمل. «فول أوت» الذي يعرض حالياً في الصالات، مهمة مستحيلة جديدة لتوم كروز تتفوق على كل أفلامه السابقة، وعلى غالبية أفلام الأكشن التي شاهدناها، بل يمكن القول إنها المغامرة الأكثر إثارة ودقة وحرفية على الإطلاق، والأسباب كثيرة.
لماذا «فول أوت» فيلم شديد الإبهار والتميز؟ ولماذا عليك أن تشاهده وتحرص ألا يفوتك؟ الفيلم طويل، لكن ال 147 دقيقة وهي مدة مشاهدتك للفيلم، مليئة كلها بالتشويق والأحداث المتتالية التي تنتقل بك من مغامرة إلى أخرى، بلا فلسفة أو تعقيد، وبلا حاجة إلى الاستعانة بأعداد كبيرة من الممثلين. هذه المرة أجاد كريستوفر ماكواير إمساك كل الخيوط بين يديه، فقام بإخراج الفيلم وكتابة القصة منفرداً، وهو الذي أخرج وشارك في كتابة الجزء الخامس من سلسلة «مهمة مستحيلة» عام 2015 «روغ نايشن». وها هو ينطلق بأحداث فيلمه الجديد من بعض خيوط «روغ نايشن» مستعيداً بعض شخصياته مثل الإرهابي والعميل السابق في «قوات المهمة المستحيلة» سولومون لاين (شون هاريس)، الذي وضعه إيثن في السجن في الفيلم السابق، والعميلة البريطانية صديقة إيثن إيلسا فاوست (ريبيكا فيرغسون)، والتي حصلت على مهمة معقدة في «فول أوت»، تفرض عليها الوقوف مرغمة في وجه صديقها، وربما تجاوزه من أجل إتمام المهمة. كما يكمل الفريق رحلة المغامرات مع الصديقين المخلصين لإيثن، لوثر (فينج رايمز) وبنجي (سيمون بيغ)، وآلن هانلاي (ألك بولدوين) المسؤول عن إيثن وفريقه.
الفيلم يبدأ كمعظم أفلام الجاسوسية، حيث يتذكر العميل إيثن هانت (توم كروز) خسارته لزوجته وحبيبته جوليا (ميشال موناغن) وانفصالهما بسبب سولومون لاين، ويتلقى إيثن تعليمات جديدة بوجود علاقة بين لاين والإرهابي المدعو جون لارك ومجموعته ال 12 الملقبين ب«الرسل»، ينشرون وباء الجدري، ويملكون 3 قنابل بلوتونيوم سيعملون على تفجيرها للقضاء على العالم. يستعد وفريقه للعملية، لكن إريكا سلون (أنجيلا باسيت) من الاستخبارات المركزية تفرض على فريق المهمة المستحيلة انضمام العميل أوغست ووكر (هنري كافيل) إليهم، وأن يعمل بالتنسيق مع إيثن وملازمته كظله في هذه العملية الدقيقة والخطيرة، بسبب فشل إيثن في استرجاع القنابل في محاولة أولى في برلين، إلى أن تحدث المفاجأة الكبرى.
المغامرات تنتقل بين مدن ودول عدة، ومن برلين إلى باريس فكشمير.. تتواصل المطاردات ويفكك فريق المهمة المستحيلة الألغاز الواحد تلو الآخر بذكاء وخفة مدهشة. الحركة سريعة، المغامرات تتوالى وتحبس الأنفاس دون أن تشتتك أو تفقدك حبل تسلسل أحداثها، التصوير رائع والتنوع يضمن لك الاستمتاع بالمناظر الطبيعية ويوصل إليك الإحساس ببرودة الطقس في الجبال الشاهقة والثلوج والغيوم والضباب..
في العموم، ينتابك إحساس بأنك أمام نسخة جديدة من أفلام الجاسوسية التي تتصارع عليها بريطانيا وأمريكا، لتثبت كل منها أنها الأقوى في صناعة الأفلام التشويقية والبوليسية، وبين جيمس بوند العميل البريطاني «007» وإيثن هانت العميل الأمريكي «مهمة مستحيلة»، تشعر بأنك تتشبع من حكايات الجاسوسية المنظمة والمغمسة بالقليل من الرومانسية. والفرق بين سلسلة جيمس بوند ومهمة مستحيلة، أن الأولى تلوّن أحداثها بالرومانسية وقصص الحب، بينما الثانية تميل أكثر نحو مفهوم الصداقة والوفاء والإنسانية مع الاحتفاظ بروح الكوميديا. والمعروف عن إيثن أنه لا يغدر بأحد ولا يضحي بصديق، يواجه أعداءه وجهاً لوجه، والجانب الإنساني يبقى بارزاً في كل الأجزاء.
هنري كافيل شكل ثنائياً ناجحاً مع توم كروز، وقف كند له، ليتنافسا في مشهد ختامي رائع، وفي مطاردات طويلة امتدت من باريس إلى كشمير. لا بد أن تحترم صناع العمل وتقدّر المجهود الذي قاموا به، وتزداد إعجاباً بالنجم توم كروز الذي كلما كبر سناً (56 عاماً) ازداد حرفية وإصراراً على تحويل التمثيل إلى حرفة يتقنها ويعيشها بكامل أحاسيسه.
الرقم الصعب في السينما
منذ سنوات انتقل توم كروز من مرحلة «التمثيل» السينمائي إلى المغامرة الحقيقية والمصوّرة في قالب بوليسي ودرامي معين. لم يعد يقبل بمن ينوب عنه في مشاهد الأكشن خصوصاً تلك التي تهدد حياته وقد تعرضه لإصابات خطيرة. رأيناه يقود الدراجة النارية والسيارات ويتسلق برج خليفة ويجوب الشوارع في سباقات وركض سريع جداً، وها هو يضيف إلى مغامراته مجموعة جديدة تقطع الأنفاس وتكاد لا تصدق أنها حقيقية. في «فول أوت»، لا يترك كروز مغامرة إلا ويخوضها، يقفز بين البنايات حيث تسببت إحدى القفزات بإحداث شرخ في كاحله، يتسلق الجبال العالية، يقف فوق الأسطح، يقفز في الهواء من طائرة عسكرية ويسبح في الفضاء فوق وتحت السحاب، يقود طائرة مروحية بين الجبال ويتسلق حبلاً ليدخل الطائرة وهي تحلق عالياً ثم يسقط (عمداً كما يقتضي الدور) ليعيد التجربة مرة ثانية.. المغامرة محسوبة؟ طبعاً لكنها تتطلب الكثير من الدقة والحسابات في العمل كي لا تتحول إلى كارثة، والمعروف أن النجوم يغامرون شكلياً فقط، وتأتي التقنيات الحديثة لتحل محلهم حفاظاً على أرواحهم وأسمائهم وشهرتهم، باستثناء القليل منهم وعلى رأسهم توم كروز الذي يجعل من الفيلم مسرحاً حياً والجمهور يشاهده فوق الخشبة يؤدي ببراعة ودقة وحرفية عالية أجمل مشاهده.
الفيلم جعل توم كروز «الرقم الصعب» في السينما العالمية والذي لن يستطيع أحد أن يحل مكانه أو إزاحته عن عرش المغامرة الحيّة والممتعة في آن.
ثاني أكبر افتتاح
«فول أوت» إنتاج براماونت وسكاي دانس، بلغت تكلفته 178 مليون دولار، وقد استطاع تحقيق أرباح عالية بلغت نحو 154 مليون دولار في الأيام الأولى لافتتاحه في أمريكا ودول عدة باستثناء الصين التي لم يصلها بعد، وكوريا التي عرض في صالاتها منذ يومين فقط، ليكون الرقم واحد في شباك التذاكر. هذا الرقم يعتبر الأعلى في إيرادات افتتاح الأفلام في الفترة الأخيرة، وثاني أكبر افتتاح لأفلام توم كروز على الإطلاق، بعد فيلمه السابق «حرب العوالم» عام 2005 للمخرج ستيفن سبيلبرغ.