لماذا يتكلم العراقيون لهجتهم (لهجاتهم) المميّزة؟ أوجس القلم في نفسه خيفة، أن يسلقوه بألسنة حِداد، إذا أخطأ، أو تصيبه حمم موسوعة الشتائم، في «الرسالة البغدادية» للتوحيدي، أو ينصبوا للعمود كميناً من نحاة الكوفة والبصرة، وقادة أركان العربية، كالتركمانيّ د.مصطفى جواد(قل ولا تقل).
اللهجة العراقية صورة لمثلهم: «شليلة وراسها ضايع». نحن أمام عشرات القرون من الحضارات والثقافات واللغات المتراكبة المتراكمة، المتداخلة المتبادلة. بغداد لم تكن عاصمة، بل عالم انصبّت روافده في جغرافيا الرافدين. القوتان الصلبة والناعمة للإسلام والعربية، أسستا للغتنا قاعدة ليس لها نظير في العالم العربيّ بلا منازع، صارت لساناً له إمبراطوريّة جاذبة من كل الأقطار على مدى سبعة قرون. أدّى ذلك إلى رفع نسبة الواردات اللغوية في اللهجة العراقية، بينما المكوّنات المتداخلات مع الجوار القريب هي في حدّ ذاتها كثيرة.
سؤال مهمّ، يحتاج إلى بحوث لغويّة متخصصة: لماذا نجحت العربية وعلومها، في العراق أكثر من غيره من البلدان العربية التي لم تكن لغاتها عربية؟ الجواب السهل: لأن العصر العباسيّ كان مركز العالم قروناً. هذا صحيح، لكن القلم يرى ما هو أبعد: اللغة الأكديّة هي أقرب اللغات السامية إلى العربية. وادي الرافدين يلوح اسماً عربياً، لكن انظر في الأكدية «ارْفُد» بمعنى جرى، «إرَفّد يجري. ألف المضارع المهموزة الأكديّة، ترد في الكثير من المضارع العربيّ في اللهجة بدلاً من الياء: إحبّ (يحب)، إهدّ (يهدّ)، إكلّم (يكلّم).
سؤالهم طريف: «شلونك؟» كيف أنت؟ الأغنية: «شلونك عيني شلونك»، الكثير من العراقيين لا يعلمون أنها آرامية: شلومو، أي سلاماً. صارت سؤالاً بالمطلق، كيف: «هاي شلون دبّرتها؟» يأكلون «السمك المسقوف»، يغيب عن أغلبهم ألّا علاقة بالسقف العربي، فعل «سقف» الآراميّ يعني شك بالسفود. تأثير التركية كثير: «أدب سز»، قليل الأدب. الفارسية حتى في الترجمة الحرفية، خصوصاً لدى الأكراد الفيلية: «أمّ كلثوم خوش تقرا» بمعنى تحسن الغناء، المصدر «خواندن» الفارسي يعني القراءة والغناء.
نجد في اللهجة العراقية كل الحروف بين الأسنانية، الثاء والذال والظاء (ثامر، لا تامر، ذيب لا ديب، ظلام لا زلام). القاف أحياناً كاف (وكت، وقت). الكاف أحياناً تش وهي الكشكشة عند بعض القبائل العربية: «وعيناتش عيناها وجيدتش جيدها). الهمزة أحياناً عين(في القسم: والقرعان) عربية أيضاً: «كما عنّ عظم الساق منتش رقيق». بعد هذه العجالة: «شاكو ماكو»؟ أكو في اللهجة العراقية، تعود إلى الأكدية، والمندائية وهي لهجة آرامية، بمعنى يوجد. من أراد التوسع الأكاديميّ فالمراجع كثيرة، لعل من أفضلها مجاناً على الشبكة: «موسوعة اللغة العامية البغدادية» للدكتور مجيد محمد علي القيسي (433ص).
لزوم ما يلزم: النتيجة التحقيقية: اللهجة العراقية هي بحق متحف حضارات ولغات وثقافات وأمم متحدة.
خميسيات اللهجات: العراقية
22 مارس 2018 04:50 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 مارس 04:50 2018
شارك
عبد اللطيف الزبيدي