عبد اللطيف الزبيدي

هل ظاهرة الإهدار فلسفة حياة؟ طريف أن الحريصين على التوازن والاعتدال وحسن التصرف، يرتفع لديهم منسوب استنكار الإهدار في كل رمضان. يغدو للإهدار هدير.
إذا احتكمنا إلى العربية، أصابنا الذهول لفرط تلاعبها بالمعاني، ففعل هدر ومزيده أهدر، يعنيان أبطل بمعنى أباح. تخيّل في الفقه أن يصبح الباطل هو المباح! يقال: «أهدر السلطان دمه أي أبطله أي أباحه» (اللسان والقاموس المحيط). هكذا يكون منطقياً تماماً، لدى المؤمنين بقيم رمضان، إهدار الأغذية، فهم يحكمون عليها بإبطال صلاحيتها أي بإباحة هدرها في سلال المهملات. هكذا يصبح الإهدار تربية و«ثقافة».
لا حاجة إلى جلد الذات العربية الإسلامية، فسيفتح القلم باب الهرب، لتخفيف الوزر بما هو أشد وطأة. هنا «فلسفة الحياة» لدى البشرية قاطبة، في حين لم يعرف التاريخ عصراً تسيّد فيه الاقتصاد كزماننا. منذ مطلع القرن العشرين إلى يومنا هذا، استهلكت الصناعات فأهلكت نصف مخزون النفط، الذي صنعته الطبيعة في مئة مليون عام. في المتوسط أحرق المخلوق الذكي في كل سنة، ما صبرت الأرض على صناعته المعقدة مليون سنة. في كل يوم يصطاد البشر من الأسماك مقدار مئتي مرة ما تنتجه بحار كوكبنا. معنى ذلك أن المحيطات تحتاج إلى مئتي يوم لكي تسد حاجة أسواقنا ليوم واحد. ألا يجب أن نمنحها يوماً فيه 4800 ساعة؟ حتى نسبية مليون أينشتين ستقول: «شي يجنّن».
في مطلع العقد السابع، أمطرت الطائرات المروحية الأسترالية عشرين مليون خروف حي بالبنزين وأحرقتها، حتى لا ينخفض سعر اللحم، وعلى مر العقود ظلت الولايات المتحدة تلقي في البحر بمئات ملايين الأطنان من الحنطة والذرة، حتى تحافظ أسعار الحبوب على مستواها، ثم تدخل الذكاء، فصارت هي والبرازيل وغيرهما، تستخرج الوقود العضوي من الذرة التي عنّ لهم أن جياع الأرض ليسوا أهلاً لها. مركبات الوقود العضوي الأمريكية تستهلك أضعاف ما تتناوله عاشبات الولايات المتحدة مجتمعة من الحبوب. نصف حقول قصب السكر البرازيلية مخصص لإنتاج المحروقات العضوية. سنة 2008: أنتجت 22 مليار ليتر إيثانول. 70% من هذا البنزين «الحلو» عالمياً تنتجه واشنطن والبرازيل فقط. للبياتي أن يشرب شعره: «شرب المرارات الكبار بلا مرارة». الأرقام الأليمة لا حدود لها. الفيزيائي الفلكي الكندي الرائع هوبرت ريفز يقول: «نحن نشنّ حرباً شعواء على الطبيعة، فإذا انتصرنا فيها، فتلك هزيمتنا الكبرى».
لزوم ما يلزم: النتيجة الترفيهية: أراد القلم تخفيف تأنيب الضمير على من يشعر بعبثية الإهدار، من باب: «إذا عمّت المصيبة هانت».

[email protected]