هل يسمح القارئ الكريم باستعادة جملة من العمود أمس، لإعادة طرحها بالتوقف عندها؟ مفادها: «إن تلاميذ العرب لا يدرسون شيئاً يشعرهم حاضراً ومستقبلاً بأنهم ينتمون إلى أمّة واحدة». من دون ذلك لا يجوز لأحد أن يستغرب هشاشة العلاقات البينية وسهولة تهشم القارورة.
العجيب هو أن عبارة «كلام جرائد» لا تنطبق إلاّ على العالم الثالث وما شاكله. هي هراء محض في الكثير من الدول التي يصدح فيها الإعلام ويَصدَع، ويُصدّع حين تتسلح أنظمة التعليم بأذن من طين وأخرى من عجين.
قد يكون مؤلماً وقاسياً وصف واضعي المناهج العربية بأن عليهم أخذ دورات مكثفة في البناء المعنوي للأجيال. يبدو أن الأساتذة لم يدركوا بعدُ أن أنظمة التربية والتعليم المختلفة، في المناهج المقررة وموادها، ثم في أساليب التدريس، تؤدي قطعاً إلى إيجاد أنماط متباينة من التفكير. هذا لا يعني أن المطلوب تفريخ أجيال متماثلة نسْخاً متطابقاً مثل علب المشروبات الغازية. الضروري المهم هو أن يكون لبنات العرب وأبنائهم نموذج فكريّ ورؤى لها آفاق واحدة ومصير مشترك.
الإطار الفكري المشترك يفتح أبواب العمل المشترك التي تتيح التنوع اللانهائي والتناغم اللامحدود. تعددية الجغرافيا الطبيعية وثراء الجغرافيا الاقتصادية، يمنحان بلداناً دفع عجلات الزراعة، لوفرة المياه وخصوبة التربة، بينما الثروات الجوفية من غاز ونفط تتيح إنشاء الصناعات البتروكيماوية وغيرها. دروب التكامل مفتوحة على طول المدى. الأهم هو أن تكون الوسائل تصب في غايات واحدة.
النموذج المثالي هو نموذج الفرقة السيمفونية. التأليف الواحد هو البرنامج التنموي الحضاري الموحّد. الآلات متنوعة، من المتشابهات المتقاربات، مثل الكمان والفيولا والتشيلو، في الوتريات، والفلوت والأوبوا، إلى المتباعدات في الوتريات كالكمان والكونترباص، أو المتنائيات في النافخات كالفلوت بيكولو والتوبا النحاسية. لكل واحدة صوتها وتعبيرها، وتلك حرية التعبير. تستطيع الفرقة أداء جمل متزامنة ومختلفة في آن، ولكن الضابط للأداء، وهو قائد الأوركسترا، هو ضامن سلامة المسار نحو الغاية الكلية الواحدة، وهي اتّساق كل الأركان والمكونات في العمل المشترك الواحد، الذي يتكلّل بتألق الجميع في القمة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الشمسية: الأمور واضحة، بضدها تتبين الأشياء.
