كم من الأصدقاء لدينا في الحياة؟ كم عدد الأصدقاء الذين مروا علينا في هذه الحياة؟ كم بقي من هؤلاء الأصدقاء؟ وأين ذهب الذين لم يعودوا أصدقاء، أو أنهم ببساطة مجرد أصدقاء كانوا يوماً أصدقاء، أو أنهم أصدقاء قدامى؟ وما المعايير التي نحتكم إليها حين نصنف الأصدقاء؟ فنضعهم في مراتب أو درجات، أي أنه حتى في الصداقة تتفاوت المسافات بيننا وبين الأصدقاء، وهي مسافات إما نكون من يختارها أو أنها تفرض نفسها انطلاقاً من منطق خاص بالأشياء، يقرب المسافات ويبعدها بين البشر حسب أهواء البشر وأمزجتهم وميولهم واهتماماتهم .
الأسئلة أعلاه تحرض على التفكير، ولكنها لا تشفي غليل الحيرة، بل إنها تدفع نحو المزيد من الأسئلة التي تتناسل عنها: هل لكل مرحلة عمرية أصدقاء خاصون بها؟ لذا فإننا غالباً ما نتحدث عن أصدقاء الطفولة تمييزاً لهم عن أصدقاء الشباب وسنوات المدرسة أو الجامعة، وعن أصدقاء سنوات النضج والتجربة .
هل لكل مرحلة من حياتنا خصائصها النفسية والروحية وحاجاتها الخاصة بها التي تتحكم في اختيار الأصدقاء، أو على الأقل في درجة قربهم أو بعدهم عنا؟ هل ما كان يحققه صديق أو صديقة الطفولة لنا من انشداد نفسي وإنساني يتناقص لمصلحة صديق آخر نلتقيه في سنوات الصبا أو الشباب، فنجد أنه اقرب إلى ذاتنا؟ والسؤال نفسه يصح على صديق آخر نلتقيه وقد عركتنا الحياة؟
من الصعب وضع أشخاص عدة على محك التجربة في آن، ولا وجود لصديق من دون اختبار، فالصداقة لا تنشأ عفو الخاطر أو بصورة آلية، بل نحتاج إلى وقتٍ كافٍ كي تتبلور صداقة حقيقية قادرة على البقاء، وعمر أي واحد منا ليس طويلاً بما يكفي كي نختبر أناساً كثيرين ما إذا كانوا يلائموننا كأصدقاء أم لا، فنكتفي والحال كذلك بعدد محدود من هؤلاء الذين تقودنا الحياة إلى دروبهم أو تقودهم إلى دروبنا .
على الرغم من أن زمن اليوم يدفعنا إلى المزيد من الوحدة والانعزال، وعلى الرغم من أن كثيرين منا يجدون في التوحد مع الذات متعة لا تضاهى بعيداً عن صخب الحياة وضجيج الناس، فإننا في مطلق الأحوال لا نستغني عن الصديق، ثمة حاجة روحية ونفسية ومعنوية، وحتى أخلاقية أيضاً في أن يكون ثمة إنسان نعده صديقاً حقيقياً نهرع إليه كلما ضاقت بنا الحال .