أكراد سوريا في ميزان الصراع

01:42 صباحا
قراءة 3 دقائق
يونس السيد

بوادر العداء التركي للأكراد عموماً، وأكراد سوريا بوجه خاص، كانت قائمة وموجودة قبل اندلاع الأحداث السورية، فقد وصل هذا العداء إلى حد حشد الجيوش في عام 1998 على حدود سوريا لضرب ما وصف بأنه قواعد لحزب العمال الكردستاني، على الرغم من العلاقات القوية آنذاك بين أنقرة ودمشق، قبل أن تنتهي هذه الأزمة بترحيل الحزب الكردستاني من سوريا، وخروج زعيمه عبدالله أوجلان ثم اعتقاله بعد ذلك بمساعدة «الموساد «الإسرائيلي» في كينيا في فبراير/شباط 1999، والحكم عليه بالإعدام قبل أن تتحول العقوبة في 2002 إلى السجن مدى الحياة.
منذ ذلك التاريخ، جرت مياه كثيرة تحت سطح العلاقات التركية الكردية، تخللتها محاولات لحل الأزمة وهدنة لم تعمر أكثر من ثلاث سنوات، قبل أن تعود تركيا لتعلن العام الماضي الحرب الشاملة على الأكراد مع وصول حزب الشعوب الديمقراطي إلى البرلمان على حساب حزب العدالة والتنمية الحاكم، والتسبب بفقدانه الأغلبية المطلقة التي كان يحتاجها أردوغان لتعديل الدستور، وتحويل النظام في تركيا إلى نظام رئاسي. ثم تجلى هذا العداء على أوضح ما يكون في معركة تحرير عين العرب من سيطرة تنظيم «داعش»، حيث اضطرت أنقرة تحت ضغط التحالف الدولي إلى القبول، بعد طول انتظار، بتمرير الإمدادات الكردية العراقية التي كانت عنصراً حاسماً في تحرير المدينة.
لكن الأكراد الباحثين دوماً عن حلم الهوية والوطن ظلوا يتمسكون بمشروعهم الكردي التاريخي، رغم إدراكهم صعوبة تحقيق ذلك في ظل رفض الدول الإقليمية المطلق لهذا المشروع، وانطلاقاً من هذا الواقع كان أكراد سوريا هم الأكثر قدرة على التعبير عن هذا الحلم عبر نقله من الإمكانية التاريخية إلى الإمكانية الواقعية، أي أنهم ومنذ بداية الأحداث السورية وضعوا نصب أعينهم إقامة إدارة ذاتية مؤلفة من ثلاث مقاطعات، هي الجزيرة وعين العرب (كوباني) وعفرين، على أن تبقى في إطار الجغرافيا السورية، وفي ظل دولة حرة ديمقراطية تعددية مستقلة وذات سيادة. وانسجاماً مع هذه الرؤية اندفع الأكراد، مدعومين بالتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، للسيطرة على الجبهة الشرقية (الجزيرة)، بعد عين العرب، وتمكنوا من طرد «داعش» من ريف الحسكة، وشكلوا مجالس للإدارة المحلية، وصولاً إلى تأسيس «قوات سوريا الديمقراطية» وذراعها السياسية «مجلس سوريا الديمقراطي». وعلى هذا الأساس بات الأكراد رأس الحربة والذراع القوية على الأرض لمحاربة «داعش» في استراتيجية التحالف الدولي، فيما زادت أهميتهم السياسية والعسكرية بالنسبة لروسيا، بعد أن تحولوا أيضاً إلى ورقة مهمة في الضغط على تركيا، وهو ما يفسر الدعم الروسي الهائل لمشاركتهم في مفاوضات «جنيف 3» والرفض التركي المستميت لهذه المشاركة.
وفيما يحاول الأكراد استكمال مشروعهم، يحتدم الصراع في ريف حلب، خصوصاً بعد أن تقدم الأكراد نحو مدينة اعزاز التي جعلت منها خطاً أحمر وأكدت أنها لن تسمح بسقوطها وهددت بالتدخل عسكرياً مهما كانت النتائج، واجتاحوا في طريقهم بلدة تل رفعت أبرز معاقل المعارضة في تلك المنطقة.
معلوم أن تركيا جعلت من أي وجود كردي مسلح غربي نهر الفرات خطاً أحمر، لسببين، الأول منع الأكراد من الوصول إلى عفرين لاحقاً وإقامة تواصل جغرافي مع عين العرب، والثاني أن اكتمال سيطرة الأكراد على هذه المنطقة يعني تبدد أية آمال في إقامة «المنطقة الآمنة» أو منطقة «حظر الطيران»، كما تطالب أنقرة منذ البداية، وقبل هذا وذاك رفض تركيا لأي نوع من أنواع الكيانية الكردية، باعتبارها تشكل تهديداً لأمنها القومي.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"