عبدالله السويجي

هنالك عِلم لا يدخل في المناهج الدراسية، ولا يكتسبه الإنسان عن طريق النصيحة، وهذا العِلم ليس له قوالب رئيسية عامة، لأنه أقرب إلى الفن، وهو فن لأنه شديد الالتصاق بالفرد، فهو عمل فردي وليس جماعياً، ولمسات الإنسان وبصمته تظهران بوضوح في حياته نتيجة تعامله مع هذا الفن، هذا العلم يتعلق بتنظيم الوقت، لكنه يتحول إلى فن عندما يدور الحديث بشأنه في الوسائل والآليات، فيصبح فن إدارة الوقت.
ويختلف هذا الفن عن إدارة الأزمات، فالأزمة غالباً ما تكون جماعية، أما إذا كانت فردية، فيصبح الوقت أو الزمن عاملاً رئيساً في التعامل مع الأزمة، ويقول كثيرون: إن تراكم الوقت غير المنظم يتحول إلى أزمة حقيقية، تحتاج إلى أكثر من عنصر لحلّها أو التعاطي معها.
فن إدارة الوقت مصطلح عام وواسع، فهو يشمل حياة الإنسان كلها، حياته الشخصية والعملية، حياته العاطفية والمادية، وبقدر ما يضع الإنسان حدوداً بين هذه الحيوات يحقق النجاح، ويتجنّب الفوضى والارتباك والتراكم.
هذا في النظرية العامة، أما إذا اقتربنا من التخصيص، فإن الحديث عن فن إدارة الوقت يكتسب أهمية في أوقات الأزمات، أي يتوقع من الفرد أن يدير وقته في أزمة يعانيها الجميع، وقد تكون هذه الإدارة من أصعب أنواع الإدارات.
ولعل الإنسان في أنحاء العالم كافة يعيش أزمة في الوقت الحالي، أزمة وباء كورونا، وتنقسم إلى قسمين، قسم يتعلق بالشق العلمي للأزمة، المرض، اللقاح، الوباء، الوقاية، وقسم يتعلق بشق الوقت، أي إدارة الوقت مع وجود الأزمة الأولى. وفي ظل هذه الظروف، وفي الوقت الذي يُطلب من الناس فيه عدم الذهاب إلى أعمالهم وأشغالهم ومدارسهم وجامعاتهم، بل وعدم التجول والبقاء في المنزل، فإن مساحة الوقت تصبح متوفّرة بشكل مفاجئ إلى درجة عدم قدرة الإنسان على استيعابها بسرعة، خاصةً إذا كان لا يستطيع العمل من المنزل، وهنا تكمن المشكلة، التي تشمل أيضاً الإنسان الذي يعمل من المنزل، وجميعنا يعلم الفرق بين الجلوس في البيت خلف المكتب، أو الجلوس في مكان العمل خلف المكتب، في الأولى استرخاء تلقائي، وفي الثانية استنفار واستعداد وتحفّز دائم.
إن أول أمر يجب علينا فعله هو وضع خطة يومية وتنفيذها قدر الإمكان من دون تقاعس، ويجب أن تأخذ في عين الاعتبار وجود أناس آخرين في المنزل، زوجة وأطفال وربما مربية، وفي أحوال كثيرة يجب أن يتفق الجميع على هذه الخطة، وهي خطة عائلية، وبعد الاتفاق عليها، يجب أن يضع كل فرد من أفراد الأسرة خطته الخاصة به، وتشمل الصغار والكبار.
إن أهم عنصر في هذه الخطة يتعلق بالتلفزيون، ولهذا فإن عدم متابعة الأخبار على مدار الساعة سيكون أول إجراء مهم في الخطة العائلية أو الفردية، ومشاهدة الأخبار عادة عربية بامتياز، يتسمّر الإنسان أمام التلفاز طوال ساعات النهار أو الليل في حال وقعت حرب في مكان ما، أو حلّت كارثة أو وباء عام، وهو يجلس أمام التلفاز مع إدراكه لعدم قدرته على فعل أي شيء، فهو لا يمتلك أي دور في تغيير اتجاه الأحداث، وما هو بمحلل سياسي أو طبي على سبيل المثال، ولا أحد يطالبه بكتابة تقرير عن الحرب أو الأزمة أو الوباء، لهذا أول إدارة للوقت يجب أن تكون تنظيم مشاهدة نشرات الأخبار، مرة أو مرتين في اليوم، وتوزيع المشاهدات المتبقية على أمور أخرى، على الرغم من أنني أفضل التعامل مع التلفزيون كأنك في العمل.
العنصر الثاني، الاستعداد التام للحوار مع الآخر، وقد أثبتت أزمة كورونا أن عائلات كثيرة بدأت تتعرف إلى بعضها بعضاً من جديد، وهنا إما تزداد المشاكل أو تقل طبقاً للأسلوب، وباختصار، جميل أن نعيد اكتشاف من نعيش معهم.
فإذا توفر العنصران، الخطة العائلية والفردية، والاستعداد للتحاور عبر التهيئة النفسية، نكون قد قطعنا مشواراً طويلاً في إدارة الوقت، ونحن هنا تحدثنا عن الوقت الشخصي وليس العملي، لأنه من المفترض تخصيص جزء مهم من الوقت لتنفيذ الأعمال. والحديث ذو شجون في ما يتعلق بقصص إعادة اكتشاف الآخرين.

[email protected]