تنصرم الأعوام، وتمضي القرون، وتنهض أمم، فتنطلق في آفاق التقدم وتحلّق في أجواء التفوق . وقدر دولة الإمارات أن تظل دائماً في موقع الريادة، فتاريخ هذا الوطن شامخ، واعتلاؤه صروحاً من العطاء وجبالاً من القيم الخالدة مازال مستمراً . دولة تختصر المسافات، وترتقي سبل المجد والحضارة، حتى أضحت كما يراها العالم أعجوبة الزمن ومضرب المثل . دولة عصرية بكل المقاييس، تساير العالم تقدماً وازدهاراً، وتحافظ على موروثها القيمي والأخلاقي وترتقي سبل المجد والريادة . فالمشاريع التي تتحقق يوماً بعد يوم تؤكد حرص الدولة على النهوض والرقي بما يليق بمكانة دولة الإمارات وعاصمتها أبوظبي . ويسعد أبناء الدولة وهم يعيشون واقعاً جديداً خطط له الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذي، باعتماده مشاريع التنمية الكبرى يوم الاثنين 23 يناير/ كانون الثاني 2012 خلال ترؤسه اجتماع المجلس التنفيذي، والعديد من المشاريع الجديدة التي تشمل الإسكان، والخدمات الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والرعاية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية . ومن أهم هذه القرارات؛ بناء وتأهيل البنية التحتية لعدد من المناطق السكنية في ليوا وغياثي والهير والشويب وبدع المطاوعة .
وتأتي هذه القرارات من أجل تحقيق التنمية المتوازنة بين مناطق أبوظبي، وتسريع وتيرة النمو الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، والسعي نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، وكذلك تعزيز التنمية البشرية، وتوسيع الخيارات المُتاحة للمواطنين، وتوفير مستوى لائق من الخدمات الصحية، وتنمية الموارد البشرية . وكذلك أوامره بضرورة الاهتمام بالجانب الاجتماعي والتعليمي، ومعيشة المواطن، ورعاية المحتاجين وذوي الاحتياجات الخاصة لكل فئات المجتمع مثل المسنين، والمعوقين، واليتامى والأرامل، والعناية بهؤلاء ورعايتهم وتسهيل أحوالهم كافة بالشكل الذي يحفظ كرامتهم ويوفر لهم أسباب الحياة الكريمة . وقد أوردت وسائل الإعلام العالمية الكبرى خبر صدور ميزانية أبوظبي، وقالت الفاينانشال تايمز إن أبوظبي أجرت استعراضاً طال انتظاره لخطط الإنفاق الحكومي ووافقت على ميزانية لعدد كبير من المشاريع . وتابعت تقول: ينبغي لاستنتاجات الاستعراض، الذي قاده سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان مستشار الأمن الوطني نائب رئيس المجلس التنفيذي، أن تقدم بعض الثقة للمصرفيين والمحامين والمقاولين ومجتمع الأعمال على نطاق أوسع، الذين لم يكونوا على علم بأن أياً من المشروعات التي تقدر بمليارات الدولارات سوف يمضي قدما . أما صحيفة النيويورك تايمز، فقد كتبت تقول: إنه تاريخ جديد لأبوظبي عاصمة الإمارات التي ستمضي في أحد أبرز المشروعات الثقافية والفنية في العالم من خلال بناء متاحف ضخمة، وذلك بهدف التأكيد على طموحات المدينة لتصبح عاصمة عالمية .
إن هذا التوازن، الذي يحرص عليه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في برامج التنمية الشاملة كافة، أمر يدعو إلى الفخر والاعتزاز، فقد دعا سموه كذلك إلى حشد الطاقات الثقافية بمفاهيمها المختلفة؛ للتواصل والتفاعل مع المنجز الحضاري الذي تشهده أبوظبي، من خلال إيجاد مناخ حوار فكري يبلور الرؤى الوطنية المختلفة الأطياف في إطار المسؤولية الوطنية، التي تدرك البعد الثابت والمتغير في الخطاب الثقافي، وصولاً إلى مشروع ثقافي يأخذ المتغيرات الفكرية، والدينية، والسياسية والاقتصادية في الاعتبار . وهو ما يقود إلى ترسيخ القيمة الوطنية في الخطاب الثقافي الإماراتي في إطاره المحلي، واضعاً نصب عينيه في الوقت نفسه البعد الدولي . ومن هذا المنطلق جاء تنفيذ المشاريع الثقافية لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث المتمثلة في إعادة وتصميم وبناء المتاحف، وتصميم وتطوير موقع هيلي الثقافي، بهدف إبراز التراث المادي والمعنوي العريق لإمارة أبوظبي، وحفظ الآثار، والتعريف بتاريخها، والحفاظ على مواقع مدينة أبوظبي المدرجة على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو، من أجل هذه النقلة الحضارية، اعتمدت المشاريع الثقافية لتسهم في فتح آفاق جديدة، والتأكيد على الينابيع، التي شكلت الهوية الثقافية بما تحمله الذاكرة الشعبية في طياتها من كنوز زاخرة من المادة، التي تعد الركائز الأساسية للثقافة في كل مجتمع . فالثقافة في مجملها أفكار وأفعال، إضافةً إلى ما يُنتجه الإنسان من أدوات تقنية، لتفهم الواقع بهدف اسشراف المستقبل من خلال الغوص في أعماق الماضي للاستعانة والاسترشاد بأحداثه وتجاربه، والمعرفة التراكمية الناجمة عن تلك الأحداث والتجارب . ومن هنا نجد الدولة في حاجة لوصل ثقافة الماضي بثقافة الحاضر، بقصد الوصول إلى هذا الاستشراف المستقبلي، وهي منظومة متكاملة تجسد ملحمة تنموية تلاحم فيها عبق الماضي وفخر الحاضر فصنعت المستقبل الواعد .
إن عقلاً بهذه الشمولية في الوعي، وهذا العمق في البصيرة لهو عقل قائد مهموم بشكل يوميّ بوطنه وأمته، من أجل صنع أجمل وأنبل الحضارات، ليس على مستوى الحضارة المادية وحسب، وإنما على مستوى الحضارة الإنسانية والثقافية . فقد صنع سموه رؤية واضحة لسلطته التنفيذية، من خلال توجيهاته الدائمة بتحقيق التنمية على صعدها كافة الاقتصادية، والاجتماعية، والتعليمية، والثقافية، والرياضية، عبر رؤية متناغمة تتنبأ بمستقبل مشرق لهذا الوطن المعطاء . إن الفريق أول سمو السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان جعل شغله الشاغل أن يصنع تاريخ أمته الحديث بأجمل نقلة في كل المجالات؛ في التنمية، والبناء، ونصرة الحق والعدل في كل صقع من أصقاع العالم، حتى حظيت دولة الإمارات بكل الاحترام والتقدير في المحافل الإقليمية والدولية، وكانت من الدول القليلة القادرة على صياغة القرار العالمي في السياسة والاقتصاد والإنجاز .
هنيئاً للوطن بهذا المجد السابغ، وهنيئاً لشعب الإمارات بهذه المشاريع الكبرى، ورسالة الخير والمحبة التي تغوص في أعماق الأرض، رسالة تروي الجذور محبة والتحاماً وعرفاناً . أيّد الله حكومتنا، وأدام عزها وأمنها، وحفظ لنا باني نهضتها وراعي تقدمها قائد المسيرة صاحب السمو رئيس الدولة وإخوانه أصحاب السمو حكام الإمارات . والله الموفق .
* كاتب من الإمارات