مشاركة الأسرة الدولية في تبني مواقف السلام والعدل والمساواة وإغاثة الملهوف في أنحاء العالم تنطلق من المحافظة على المصالح المعتبرة وفق الثوابت الأساسية الخارجية والأمن الوطني، والذي هو مجموعة من الإجراءات التي تتخذها الدولة انطلاقاً من المبادئ التي تدين بها الأمة للمحافظة على أمانة الوطن والكيان في الحاضر والمستقبل، فمسألة مفهوم الأمن الوطني في العلوم السياسية المعاصرة لا تعني الجانب الداخلي فقط، فالجانب الداخلي هو جانب واحد من جوانب الأمن الوطني . أما في الجانب الدولي أو الجانب الخارجي فهو الجانب الأكثر أهمية ويعني تحديداً توظيف القدرات المتاحة في الدولة من أجل تعزيز مصالح وقوة الدولة ومنزلتها في المنظومة الدولية، ويأتي دورها الإيجابي في المساهمة في دعم القضايا العادلة من خلال تقديم الرؤية الشاملة، ورسم الاستراتيجيات الضرورية لمنح المرونة والقدرة على التعامل مع المقومات والمصالح السياسية والاقتصادية، بما ينهض بقدرات الأمة، والوقوف بجانب الضعيف والمظلوم أيضاً .
وقد برهنت الظروف التي تعيشها الشعوب العربية المعاني الجليلة والقيم التي عبّر عنها الراحل الشيخ زايد، طيب الله ثراه، والذي أكد فيها ثوابت سياسة دولة الإمارات ومنطلقاتها الأساسية والسياسية، وهي الوقوف إلى جانب المنكوب والمظلوم وأن تتعاون على الخير، فقد كان رحمه الله سريع النجدة والنخوة، وتجسدت فيه كل صفات البطولة الحقة من قوة وشجاعة وإقدام وحزم وجود وحكمة وعطف وتسامح، وحدد بموجبها معالم المسؤولية المترعه بالأمن والأمان والاستقرار ومناصرته لقضايا الحق والعدل والسلام .
إن موقف دولة الإمارات يجسد الصفات القيادية والمسؤولية العظيمة في المجالات السياسية العالمية كافة وبالدور البارز الذي تلعبه في صنع السلام وإقراره، فمهمة الإمارات الإغاثية تنطلق من ثوابت وتوجيهات إنسانية سامية للقيادة الإماراتية، بهدف تقديم يد العون والمساعدة للأشقاء والأصدقاء من المنكوبين والمشردين والمظلومين في أي مكان في العالم، وها هي قيادة دولة الإمارات تقف إلى جانب الشعب الليبي، حيث إنها بدأت منذ 24/2/2011 بتسيير قوافل مساعدات إنسانية وطبية، وتضمنت هذه المساعدات مواد غذائية وطبية وسيارات إسعاف وآلاف الوجبات الغذائية . وتم إنشاء مخيمين لإغاثة المنكوبين والنازحين الليبين ولإيواء العائلات العربية والإفريقية في منطقة رأس جدير ومنطقة ذهيبة، لاستيعاب أعداد كبيرة من العائلات النازحة وتقديم الغذاء والمواد الطبية لهم ومساعدة العائلات الليبية النازحة إلى المناطق الحدودية . ويضم المخيم مركزاً طبياً وقاعات دراسة وقاعات ألعاب وقاعات للرجال وأخرى للنساء وفق المواصفات العالمية، ويومياً يتم تجهيز 5000 وجبة ساخنة في المرة الواحدة، إضافة إلى المرافق الصحية والإنسانية لتحسين ظروف عيش الأشقاء الليبيين داخل المخيم، وتوفير العيش الكريم لهم حتى يجتازوا هذه الظروف الصعبة .
وكانت دولة الإمارات قد تبرعت أيضاً بمبلغ مليون دولار أمريكي لمكتب الأمم المتحدة الإقليمي لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) وشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين)، ويأتي هذا الدعم تقديراً لجهود المكتبين ومساعدتهما على مواصلة خدماتهما للمشردين والنازحين الليبين .
وكان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية قد أعلن أن الجزء الشرقي من ليبيا يعاني أزمة أمن غذائي، حيث إن مخزون الغذاء والمياه وبعض الإمدادات الطبية بدأت في النفاد، وإنه في حالة استمرار الأزمة فإن شبكة الأمن الاجتماعي سوف تستنزف .
وقد نشرت صحيفة الخليج في صفحتها الأولى بتاريخ 4/5/2011 خبراً يشير إلى أن أهالي بلدة يفرن الجبلية الكائنة في جنوبي غرب ليبيا التي تحاصرها قوات القذافي، بدأوا يعانون من نقص الأطعمة ومياه الشرب والإمدادات الطبية . وتفيد روايات السكان الفارين أن يفرن وهي من أكبر المراكز السكانية في المنطقة تعرضت لأسوأ المصاعب، حيث إن خطوط الإمداد التي تمر بطرق المنطقة مغلقة ولا تمتد حتى يفرن التي تقع أقصى شرقي بلدات المنطقة في ليبيا .
التاريخ تكتبه وتحركه وتسوغه أفعال الرجال الكبار قادة دولة الإمارات، في وطن العز والمجد الذي سيبقى شامخاً يبني ويعمر ويشيد ليثبت للعالم أجمع أن نور الحق والعدل ينطلق من أرضه وينشر الخير الذي ينتصر للقيم الإنسانية وللحرية، بحيث يمتد كيان الفرد إلى الوطن ويمتد كيان الوطن إلى المجتمع الإنساني العام في قيمه ومنهجية سلوكه في مجال السياسة والحرب والسلام .
* كاتب من الإمارات