الإنسان مقياس كل شيء، فهو مقياس الوجود، ولذلك فإن أي نظام لا يتمحور حول الإنسان ويجعل منه الوسيلة والغاية، يخفق في مسايرة إيقاع الحياة والعصر والتواصل مع التاريخ والمسيرة الإنسانية . وعلى الرغم من أن الأيديولوجيات السياسية الغربية من رأسمالية واشتراكية وماركسية كادت تصبح قوة محركة هائلة، إلا أنها أخفقت في تحقيق ما وعدت به من رفاهية وسعادة للإنسان .
فعقب انهيار الاتحاد السوفييتي في عام ،1991 حدث تحول من عالم ثنائي القطبية إلى عالم أحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة، وحينما تولى الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن الرئاسة في عام ،2001 كان تعدد الأقطاب مرفوضاً من قبل المسؤولين الغربيين الذين يعلنون عن الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة على الساحة العالمية، واستمروا في الترويج للعولمة، التي اعتمدت على مجموعة من الأفكار السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وقاموا بفرضها على دول العالم بغض النظر عن الحدود الدولية والخصوصيات المحلية . لكن مع تولي الرئيس الأمريكي باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية تبنى رؤى ترتكز على تعدد الأقطاب والتعاون والشراكة مانحاً الأولوية للقوى الصاعدة مثل روسيا والصين والهند . كما أكد ذلك نائبه جو بايدن حينما أعلن عن مساعي الولايات المتحدة لبناء عالم متعدد الأقطاب .
بعد أن أدرك كبار السياسيين الغربيين أن القوة عندما توجه ضد طبيعة الأشياء فإن لها ملامح الإخفاق والتشتت وتتعارض مع الأعراف المعمول بها وأبسط قوانين الاجتماع والتاريخ استناداً إلى وقائع الحاضر لا أوهام مستقبل خادع وسقيم يتفجر بانفعالات عسكرية، ولكنها انفعالات تذوب في أحكام الدماء والثروات، لأن الطموح نحو إنشاء نظام عدالة دولية لا يتوافق مع نظام المصلحة الذي تقوم عليه السياسة .
فالنظام الدولي هو وليد التجربة التاريخية للفعل السياسي والعسكري والاقتصادي . ولن تساعد الدول الغربية في السنوات المقبلة على تقديم مبررات جديدة للهيمنة على العالم في ظل تراجع وضعها الاقتصادي، ولن يستمر العمل بأحادية لفترة طويلة، وربما لن يتجاوز الأمر عقداً من الزمان حيث إن الإخفاق في العراق وأفغانستان وتداعيات الأزمة المالية العالمية على اقتصادياتها من شأنه أن يسرع في تحجيم الإمبراطورية الأمريكية والنفوذ الغربي في العالم . لذلك يحاول الرئيس الأمريكي أوباما تجنب ما حدث للاتحاد السوفييتي خلال الأعوام 1979 و1989 من خسائر وهزيمة عسكرية واقتصادية عندما غزا أفغانستان، فقرر سحب التعزيزات العسكرية الأمريكية التي أرسلت إلى أفغانستان بالكامل بحلول صيف ،2012 وأعلن في كلمة له يوم 24/6/2011 عن بدء نهاية الحرب وتعهد بتحويل المجهود الحربي إلى البناء الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية، وأقر منطق التسوية السياسية تعزيز جهود التفاوض الدبلوماسي مع الأفغان للتوصل لاتفاق سلام بحلول عام 2014 . إن النظام العالمي المقبل الذي هو في طور التشكل الآن ما هو إلا نظام متعدد الأقطاب . وقد تجلى ذلك من خلال تقرير أعده مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي بعنوان الاتجاهات العالمية 2025، الذي أفاد بأن النظام الدولي سيكون نظاماً متعدد القوى العالمية بحلول عام 2052 مع بقاء فوارق في القوى بين الدول المتقدمة والنامية . إذ إن متطلبات المرحلة الحالية لن تتوافق مع نظام أمريكي أحادي القطبية، وستتفاعل مجموعة من المعطيات والعوامل للتخلص من مخلفات النظام القديم، التي قد تصل إلى درجة الصراع بين مختلف الأمم والحضارات من أجل نظام جديد من خلال وسائل مختلفة وستختلف أساليبه باختلاف أنواعه من صراع عسكري واقتصادي وثقافي، ولن يتسم النظام العالمي بالثبات بل سيستمر في التحول والتغير وفقاً للمستجدات محافظاً على قواعده العامة التي تجعله نظاماً متميزاً بمشاركة دول العالم في صنعه وصياغته .
العالم الجديد سيولد بمقاييس تفرض ذاتها على المجتمع الدولي حيث أن نسيجه تنسجه الحياة التي ذاق مراراتها الإنسان جراء الحروب وما خلفته من دمار وإخفاق، والتي سيتجاوزها الإنسان بالوعي الشامل لمستلزمات العالم المعاصر والأزمان المقبلة وبالتحليل والتفسير والتفاعل بموضوعية والتواصل مع ما سيحدث على الساحة من أزمات وأحداث ووقائع . فالمعرفة الإنسانية ستسير نحو المثالية، وسيتجه الإنسان إلى تشكيل صورة العالم على صورة العقل، وسيجابه الحقبة الحضارية الغاربة واضعاً تنظيماً عقلانياً للعلاقات التي تربط مختلف الظواهر التاريخية يحركه القلق على مستقبل البشرية .
* كاتب من الإمارات