خلال اجتماعات لجنة خبراء مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بجنيف في التاسع من الشهر الماضي، تعين على تقرير حكومي سوداني أن ينازل تقرير الخبير المستقل التابع للمجلس حول أوضاع هذه الحقوق في البلاد، تمهيداً لتقديم التقريرين إلى الجلسة العامة للمجلس في سبتمبر/ أيلول المقبل .
"قلق" اللجنة انصب، بالأساس، على تنافر القوانين السودانية مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، خصوصاً في شأن "التعذيب" . ومع أن التقرير السوداني أنكر، في البداية، أي انتهاك لحقوق الإنسان - رامياً نقد الخبراء بأنه "مفبرك" - عاد ليقطع، في مفارقة تبريرية غامضة، ب "عدم إمكانية وضع الشريعة والدين في سلة واحدة!"، أو كما قال، وليصطنع "تديناً" مرتبكاً من معارضة "العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية" ب "الدين" .
عموماً، وإزاء الانتهاكات التي وُصفت بأنها "موثقة جيداً"، أخفق التقرير في تبييض وجه الحكومة، حيث انتهج طريقاً مستحيلاً بين تأكيده "التزامها بالمواثيق الدولية"، وبين ارتداده إلى لهجة تبريرية تحيل إلى "ظروف وتحديات معقدة تواجهها"، ما حدا باللجنة إلى اعتبار أن حقوق الإنسان في البلاد لايزال ينقصها الكثير، وأنها لم ترتق، بعد، إلى المستوى المطلوب .
هكذا دانت اللجنة الحكومة، في 24 يوليو/ تموز ،2014 بالفشل في حماية الحقوق المدنية والسياسية، حيث إن قوانينها وممارساتها، خصوصاً على صعيد "التعذيب"، وإساءة معاملة السجناء، وانتزاع الاعترافات في مراكز الاعتقال السرية، تتصادم مع "العهد الدولي"، مِما عزته اللجنة، لا إلى "الدين"، وإنما إلى "تأويلات" النظام الخاطئة .
نبه مفكرون كثر إلى أن "الإسلام"، كنص مرجعي وكموقف أخلاقي، مصدر مهم للإلهام بحقوق الإنسان، وانتقدوا، من ثم، أن يُترك للتفسيرات المعادية للكرامة، وانتقدوا، بالأخص، صائغي "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948م"، لعدم انتباههم، مثلاً، لحقيقة أن مادته الأولى التي تنص على "ولادة البشر أحراراً" تتطابق ونص الاستنكار العُمَري: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، مِما كان يجدر توثيقه .
ولا تكون مقاربة تحريم "التعذيب" في الإسلام بغير مقاربة الإعلاء القرآني من حقوق الإنسان، وهذه، بدورها، لا تكون بغير مقاربة المفهوم القرآني للإنسان نفسه . إن أوثق قراءة مفهومية لوضعية هذا الكائن في سياق الخطاب القرآني تكشف عن تأسيسها على ثلاث شُعَب من "التكريم" ب "العقل + الأمانة + الاستخلاف"، فضلاً عن "الفطرة السليمة" التي تشمل الناس جميعاً . إنها، بعبارة أخرى، وضعية "حرية الاختيار" التي يمكن أن نستخلص منها جوهر الموقف القرآني من "الحُرمة من التعذيب"، كحق أصيل من "حقوق الإنسان"، قبل أن ننفذ إلى الوجه المخصوص الواردة به في القرآن .
"التعذيب"، اشتقاق حديث يقابله في مصطلحات العصور الإسلامية القديمة "العذاب" و"البسط" و"المُثلة" . الأولان بدلالة إيلام الأسير بغرض الانتقام، أو المتهم بغرض الحصول منه على اعتراف ما، و"المُثلة" تشويه الشخص حياً أو ميتاً . و"العذاب" في القرآن وصف لعقاب أهل النار في الآخرة . أما "التعذيب" فاستخدام دنيوي لإحدى أهم آليات القمع بغرض توفير الرادع الذي يمنع من تحول المقت للأنظمة المعزولة عن شعوبها إلى تحرك جدي يهدد سلطتها .
و"التعذيب" يُنتج "الإكراه"، أي "حمل" الغير على أمر لا يرضونه . وهو من "الكراهية" التي تنافي "الحُب" . ولذا تقاطعت "الكراهية" و"الحُب" في قوله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم" (،216 البقرة) .
و"الإكراه" نوعان: مُلجئ كامل، وغير ملجئ أو قاصر . الأول يُعدم الرضا ويفسد الاختيار، كالتهديد بإتلاف النفس . أما الثاني فيُعدم الرضا، وإن كان لا يُفسد الاختيار، كالتهديد بما لا يتلف النفس (بدائع الصنائع وتكملة فتح القدير) . وفي القرآن والحديث ورد "التعذيب" النافي ل "الاختيار" باعتباره نافياً، بالضرورة، لصحة "الاعتراف" . ففي حين حض الله المؤمنين على قول الحق ولو على النفس: "شهداء للّه ولو على أنفسكم" (،135 النساء)، استثنى ظرف "الإكراه" كمبرر حتى على المجاهرة بالكفر: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من (أكره) وقلبه مطمئن بالإيمان" (،106 النحل) . وكان عمار بن ياسر قد أرغم تحت "التعذيب" على أن يسب النبي (صلى الله عليه وسلم) ففعل . ولما سأله النبي: "كيف تجد قلبك" فأجاب: "مطمئن بالإيمان"، قال له: "لا تثريب عليك، إن عادوا فعُد" (رواه البيهقي) . أما الحديث الآخر: "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما (استُكرهوا) عليه"، فهو صحيح باتفاق العلماء، وإن لم يصِح سنده .
ويندرج ضمن هذه الشواهد، إجماع قال عنه ابن حزم إنه لا يُعرف له مخالف، ومن ذلك أن عُمَراً (رضي الله عنه) قال: "ليس الرجل بمأمون على نفسه إن أجعته أو أخفته أو حبسته أن يُقر على نفسه" (أبو يوسف)، وأنه لم يُقِم الحد على من اعترف بالسرقة ثم رجع قائلاً: "والله ما أنا بسارق، ولكنهم تهددوني"، فأخلى سبيله (مصنف عبد الرازق)، ويؤثر عن ابن مسعود قوله: "ما مِن ذي سلطان يريد أن يكلفني كلاماً يدرأ عنى سوطاً أو سوطين إلا كنت متكلماً به"، وكره مالك أن يقول الإمام للمتهم: "أخبرني ولك الأمان"، لأنه خديعة (الزرقاني)، وحتى لو لم يحبس الإمام المُقر، لكنه لم يُخل سبيله، وقال له: "لا أؤاخذك . . فإن شئت تقر، وإن شئت فلا تقر"، فأقر، لم يجُز إقراره، لأن كينونته في يده حبس (السرخسي)، ولو تلفظ الأسير بكلمة الكفر، ثم ادعى أنه كان مكرهاً، فالقول قوله، لأن واقعة الحبس قرينة على وقوع الإكراه (إبن قدامة) .
نخلص إلى أن "الاعتراف" في الشريعة، كما في القانون الوضعي، بجامع "الفطرة السليمة"، عمل تحتوشه الشبُهات إلى حد اعتبار عِلة "قبوله" هي نفسها عِلة "استبعاده"، فالقاعدة الشرعية القائلة إن "العاقل لا يُتهم بقصد الإضرار بنفسه" (بدائع الصنائع) تكاد تطابق، معنى ومبنى، الحكمة الشعبية الغربية: "لا أحد يرغب في إهلاك نفسه بنفسه" .
قبول "الاعتراف" في الشريعة، مؤسس على توفر "الاختيار"، حيث "الإكراه" مسقط للإثم عند الله، ومسقط للعقوبة في الدنيا، لأنه مسقط، أصلاً، ل "الاختيار"، ولا إثم ولا عقوبة إلا مع "الاختيار" (رواس قلعة جي) . أما مستوى إثبات "الإكراه" في الشريعة فهو ذات مستواه في القانون الوضعي: ما يكفي لإثارة الشك في ذهن القاضي . ويتبقى الفرق بين النظامين قائماً، هنا، في كون الشريعة تفترض الالتزام العقدي في عمل القاضي المسلم، بما يجعل من الإخلال بأشراط هذا العمل، إخلالاً بأشراط العقيدة نفسها .
جاء النظام السوداني شيئاً إداً مرتين: مرة حين دفع إلى اجتماعات لجنة خبراء مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بتقرير ينكر ممارسة "التعذيب"، البتة، لانتزاع الاعترافات، ومرة أخرى حين اضطر، فيما يبدو، إلى التسليم بوقوع تلك الانتهاكات، لكنه راح يلمح بإسنادها إلى "الدين" . . ولا مزيد!
"قلق" اللجنة انصب، بالأساس، على تنافر القوانين السودانية مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، خصوصاً في شأن "التعذيب" . ومع أن التقرير السوداني أنكر، في البداية، أي انتهاك لحقوق الإنسان - رامياً نقد الخبراء بأنه "مفبرك" - عاد ليقطع، في مفارقة تبريرية غامضة، ب "عدم إمكانية وضع الشريعة والدين في سلة واحدة!"، أو كما قال، وليصطنع "تديناً" مرتبكاً من معارضة "العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية" ب "الدين" .
عموماً، وإزاء الانتهاكات التي وُصفت بأنها "موثقة جيداً"، أخفق التقرير في تبييض وجه الحكومة، حيث انتهج طريقاً مستحيلاً بين تأكيده "التزامها بالمواثيق الدولية"، وبين ارتداده إلى لهجة تبريرية تحيل إلى "ظروف وتحديات معقدة تواجهها"، ما حدا باللجنة إلى اعتبار أن حقوق الإنسان في البلاد لايزال ينقصها الكثير، وأنها لم ترتق، بعد، إلى المستوى المطلوب .
هكذا دانت اللجنة الحكومة، في 24 يوليو/ تموز ،2014 بالفشل في حماية الحقوق المدنية والسياسية، حيث إن قوانينها وممارساتها، خصوصاً على صعيد "التعذيب"، وإساءة معاملة السجناء، وانتزاع الاعترافات في مراكز الاعتقال السرية، تتصادم مع "العهد الدولي"، مِما عزته اللجنة، لا إلى "الدين"، وإنما إلى "تأويلات" النظام الخاطئة .
نبه مفكرون كثر إلى أن "الإسلام"، كنص مرجعي وكموقف أخلاقي، مصدر مهم للإلهام بحقوق الإنسان، وانتقدوا، من ثم، أن يُترك للتفسيرات المعادية للكرامة، وانتقدوا، بالأخص، صائغي "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948م"، لعدم انتباههم، مثلاً، لحقيقة أن مادته الأولى التي تنص على "ولادة البشر أحراراً" تتطابق ونص الاستنكار العُمَري: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، مِما كان يجدر توثيقه .
ولا تكون مقاربة تحريم "التعذيب" في الإسلام بغير مقاربة الإعلاء القرآني من حقوق الإنسان، وهذه، بدورها، لا تكون بغير مقاربة المفهوم القرآني للإنسان نفسه . إن أوثق قراءة مفهومية لوضعية هذا الكائن في سياق الخطاب القرآني تكشف عن تأسيسها على ثلاث شُعَب من "التكريم" ب "العقل + الأمانة + الاستخلاف"، فضلاً عن "الفطرة السليمة" التي تشمل الناس جميعاً . إنها، بعبارة أخرى، وضعية "حرية الاختيار" التي يمكن أن نستخلص منها جوهر الموقف القرآني من "الحُرمة من التعذيب"، كحق أصيل من "حقوق الإنسان"، قبل أن ننفذ إلى الوجه المخصوص الواردة به في القرآن .
"التعذيب"، اشتقاق حديث يقابله في مصطلحات العصور الإسلامية القديمة "العذاب" و"البسط" و"المُثلة" . الأولان بدلالة إيلام الأسير بغرض الانتقام، أو المتهم بغرض الحصول منه على اعتراف ما، و"المُثلة" تشويه الشخص حياً أو ميتاً . و"العذاب" في القرآن وصف لعقاب أهل النار في الآخرة . أما "التعذيب" فاستخدام دنيوي لإحدى أهم آليات القمع بغرض توفير الرادع الذي يمنع من تحول المقت للأنظمة المعزولة عن شعوبها إلى تحرك جدي يهدد سلطتها .
و"التعذيب" يُنتج "الإكراه"، أي "حمل" الغير على أمر لا يرضونه . وهو من "الكراهية" التي تنافي "الحُب" . ولذا تقاطعت "الكراهية" و"الحُب" في قوله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم" (،216 البقرة) .
و"الإكراه" نوعان: مُلجئ كامل، وغير ملجئ أو قاصر . الأول يُعدم الرضا ويفسد الاختيار، كالتهديد بإتلاف النفس . أما الثاني فيُعدم الرضا، وإن كان لا يُفسد الاختيار، كالتهديد بما لا يتلف النفس (بدائع الصنائع وتكملة فتح القدير) . وفي القرآن والحديث ورد "التعذيب" النافي ل "الاختيار" باعتباره نافياً، بالضرورة، لصحة "الاعتراف" . ففي حين حض الله المؤمنين على قول الحق ولو على النفس: "شهداء للّه ولو على أنفسكم" (،135 النساء)، استثنى ظرف "الإكراه" كمبرر حتى على المجاهرة بالكفر: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من (أكره) وقلبه مطمئن بالإيمان" (،106 النحل) . وكان عمار بن ياسر قد أرغم تحت "التعذيب" على أن يسب النبي (صلى الله عليه وسلم) ففعل . ولما سأله النبي: "كيف تجد قلبك" فأجاب: "مطمئن بالإيمان"، قال له: "لا تثريب عليك، إن عادوا فعُد" (رواه البيهقي) . أما الحديث الآخر: "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما (استُكرهوا) عليه"، فهو صحيح باتفاق العلماء، وإن لم يصِح سنده .
ويندرج ضمن هذه الشواهد، إجماع قال عنه ابن حزم إنه لا يُعرف له مخالف، ومن ذلك أن عُمَراً (رضي الله عنه) قال: "ليس الرجل بمأمون على نفسه إن أجعته أو أخفته أو حبسته أن يُقر على نفسه" (أبو يوسف)، وأنه لم يُقِم الحد على من اعترف بالسرقة ثم رجع قائلاً: "والله ما أنا بسارق، ولكنهم تهددوني"، فأخلى سبيله (مصنف عبد الرازق)، ويؤثر عن ابن مسعود قوله: "ما مِن ذي سلطان يريد أن يكلفني كلاماً يدرأ عنى سوطاً أو سوطين إلا كنت متكلماً به"، وكره مالك أن يقول الإمام للمتهم: "أخبرني ولك الأمان"، لأنه خديعة (الزرقاني)، وحتى لو لم يحبس الإمام المُقر، لكنه لم يُخل سبيله، وقال له: "لا أؤاخذك . . فإن شئت تقر، وإن شئت فلا تقر"، فأقر، لم يجُز إقراره، لأن كينونته في يده حبس (السرخسي)، ولو تلفظ الأسير بكلمة الكفر، ثم ادعى أنه كان مكرهاً، فالقول قوله، لأن واقعة الحبس قرينة على وقوع الإكراه (إبن قدامة) .
نخلص إلى أن "الاعتراف" في الشريعة، كما في القانون الوضعي، بجامع "الفطرة السليمة"، عمل تحتوشه الشبُهات إلى حد اعتبار عِلة "قبوله" هي نفسها عِلة "استبعاده"، فالقاعدة الشرعية القائلة إن "العاقل لا يُتهم بقصد الإضرار بنفسه" (بدائع الصنائع) تكاد تطابق، معنى ومبنى، الحكمة الشعبية الغربية: "لا أحد يرغب في إهلاك نفسه بنفسه" .
قبول "الاعتراف" في الشريعة، مؤسس على توفر "الاختيار"، حيث "الإكراه" مسقط للإثم عند الله، ومسقط للعقوبة في الدنيا، لأنه مسقط، أصلاً، ل "الاختيار"، ولا إثم ولا عقوبة إلا مع "الاختيار" (رواس قلعة جي) . أما مستوى إثبات "الإكراه" في الشريعة فهو ذات مستواه في القانون الوضعي: ما يكفي لإثارة الشك في ذهن القاضي . ويتبقى الفرق بين النظامين قائماً، هنا، في كون الشريعة تفترض الالتزام العقدي في عمل القاضي المسلم، بما يجعل من الإخلال بأشراط هذا العمل، إخلالاً بأشراط العقيدة نفسها .
جاء النظام السوداني شيئاً إداً مرتين: مرة حين دفع إلى اجتماعات لجنة خبراء مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بتقرير ينكر ممارسة "التعذيب"، البتة، لانتزاع الاعترافات، ومرة أخرى حين اضطر، فيما يبدو، إلى التسليم بوقوع تلك الانتهاكات، لكنه راح يلمح بإسنادها إلى "الدين" . . ولا مزيد!
كمال الجزولي