من أندر الفعاليات التي أستطيع أن أشهد باطمئنان على نجاحها، كوني شاركت فيها شخصياً، ورأيت، مثل الشمس، هذا النجاح وقد تكللت به في كل لحظاتها، الورشة التي انعقدت بين ممثلين لحكومة السودان الانتقالية من جهة، وممثلين للحركة الشعبية لتحرير السودان شمال، جناح القائد عبد العزيز الحلو، من جهة أخرى، حول «علاقة الدين بالدولة» دستورياً، وذلك بفندق «بالم أفريكا» في مدينة جوبا، عاصمة دولة جنوب السودان، بمشاركة واسعة من مساعدي الطرفين، وعلى رأسهم مستشار رئيس الجمهورية لشؤون السلام وعدد من الخبراء الوطنيين والأجانب، فضلاً عن الوسطاء، قادة دولة الجنوب، والميسرين، وهم مجموعة السياسات والقانون الدولي العام، والمركز الإفريقي للحلول البناءة للنزاعات، ومستشاري شركاء التنمية.
استغرق هذا الحوار طوال الأيام من 29 أكتوبر إلى الأول من نوفمبر 2020. وعلى الرغم من الشقة التي بدت للوهلة الأولى، واسعة، والسخونة التي وسمت غالب المناقشات، فإن روح الاحترام المتبادل، مع الرغبة الصادقة في التقارب، وفي الوصول إلى منطقة وسطى، هو ما ساد في نهاية المطاف، وطغى، حتى تم الاتفاق على تغليب مفهوم «فصل الدين عن الدولة». ومما ساعد على ذلك، غلبة المستوى الرفيع للمشاركات، والمداخلات والأطروحات والنماذج التي اتسمت بتنوع المصادر، وعمق التناول والموضوعية.
وكانت الحركة الشعبية قد اشترطت في السابق، مطلب تضمين «العلمانية» في أي اتفاق سلام، ومن ثم في أية صيغة دستورية يتم التوافق عليها مستقبلاً، أو منحها حق «تقرير المصير»، حيث إنه لم يتم التوافق معها على ذلك المطلب حينها؛ الأمر الذي ترتب عليه عدم مشاركتها في المفاوضات التي جرت في جوبا بين حكومة الخرطوم، وبين حركات إقليمية مسلحة وغير مسلحة، تمخضت عن التوقيع على ما اعتبر اتفاق سلام في الثالث من أكتوبر المنصرم، فقد تم بوساطة إثيوبية، لقاء في أديس أبابا بين د. عبدالله حمدوك، رئيس الوزراء الانتقالي، وعبد العزيز الحلو، قائد الحركة الشعبية، بغرض حث الحركة على الالتحاق بذلك الاتفاق، حيث اقترح تنظيم بعض الورش بين الطرفين، كورشة «الدين والدولة» المشار إليها.
من أهم ما عمدت الورشة إلى تقصيه، وما شكل مضمون مداخلتي المفاهيمية النظرية فيها، الدلالة الاصطلاحية التاريخية لمفهوم «العلمانية» بالمصطلح الغربي العام، أو اللائكية، في الطور الفرنسي الخاص، عبر نشأته في الفكر الأوربي مطلع عصر الحداثة، بحقبه الثلاث (النهضة الإصلاح الديني التنوير)، كمفهوم أنتجه ذلك الفكر بدلالة تحرير «السلطة الزمنية» من قبضة «الاكليروس الكنسي» الذي ارتبط بمظالم الإقطاع، قبل أن تهب الثورات التاريخية كالفرنسية (1789م)، لتقوض سلطته وتصدر الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن، تحت التأثير المباشر لفلسفة الأنوار.
على أن عوامل تاريخية محددة دفعت ب«العلمانية»، وخصوصاً طبعتها الفرنسية (اللائكية)، إلى العداء مع «الإكليروس» المتحول في الذهنية الأوروبية العامة إلى معادل لمفهوم الدين.
أما «العقلانية الإسلامية» فيلزم لمقاربتها مدخلان:
أولهما تقصي المعيارية التي لخصها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: «ولانا الله على الأمة لنسد لهم جوعتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن أعجزنا ذلك اعتزلناهم».
فبهذا لا يمكن تصور «دولة دينية» في الإسلام، بصرف النظر عن ادعائها في التاريخ، أو في دعاوى «الإخوان المسلمين» وحركات «الإسلام السياسي» عموماً. والمنطق القويم الذي يسند هذه المعيارية، هو أنه لو كانت ثمة «دولة دينية» في الإسلام، لكانت هي دولة النبي صلى الله عليه وسلم، من باب أولى، لكن الأخيرة تأسست بيثرب في العام الأول للهجرة، على حرية التنوع «الهويوي»، وفق «الصحيفة» التي هي ما كتبه صلى الله عليه وسلم، بين المهاجرين والأنصار واليهود، حيث اعتبر المؤمنين والمسلمين من قريش، وأهل يثرب، ومن اتبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أمة واحدة من دون الناس، وجعل لكل طائفة من طوائفهم حقوقاً وواجبات، وكذلك اعتبر يهود بني عوف، وبني النجار، وبني ساعدة وغيرهم، أمة مع المؤمنين، لكن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.. كما حدد قواعد التساكن العادل في ما بينهم.
وأما المدخل الثاني فيقوم على تفنيد تأويل «الخوارج الجُدد» لمصطلح «الحكم» القرآني، كي يطابق «السلطة السياسية»، متحججين بالآيات الكريمات (44 45 47) من سورة المائدة: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون».
غير أن التفسير بمناسبة التنزيل يكشف زيف ما يدعون، حيث يجمع الأئمة: كابن كثير والسيوطي والواحدي النيسابوري وغيرهم، على أن هذه الآيات نزلت في واقعة يهود المدينة الذين تحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشأن من ارتكب منهم القتل، مضمرين أن يأخذوا منه إذا حكم بالدية، ولا يأخذوا منه إذا حكم بالقصاص كما في التوراة.
[email protected]
تعامل الاتحاد مع انقلابات القارة ليس متسقاً، فعلى الرغم من أن معايير «لومي» واحدة، فإن الاتحاد ظل يتّخذ مواقف صارمة في حالات، وأهون في أخرى
على الرغم من أن شوارع باماكو ظلت تغلي بالتظاهرات؛ المطالبة برحيل الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا؛ لإخفاقاته في السلطة، فإن انقلاب 18 أغسطس/آب 2020 الذي اعتقله، وأجبره على الاستقالة؛ دفع مجلس السلم والأمن بالاتحاد الإفريقي لتعليق عضوية مالي حتى استعادة النظام الدستوري، تبعاً لمقررات كانت اتخذت في «لومي».
وفي الحقيقة ليس متصوراً أن يتردد الاتحاد الإفريقي في تطبيق «إعلان لومي» الحازم، والذي أكد احترام القواعد الدستورية، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان؛ لضمان المشاركة الشعبية في الحكم، خاصة أن «القانون التأسيسي للاتحاد»، بعد «منظمة الوحدة»، أعطى «إعلان لومي» دفعة قوية؛ برفضه لأي تغيير غير دستوري في أي من بلدان القارة، كما أباح للاتحاد التدخل في أية دولة تطرأ فيها «ظروف خطرة»، إضافة إلى ذلك فإن الاتحاد يملك، بموجب «الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم» معاقبة الدولة العضو التي يقع فيها أي انقلاب أو تمرد مسلح؛ يطيح رئيسها الشرعي، أو يرفض رئيسها الذي يخسر الانتخابات تسليم السلطة.
غير أن الواقع، للأسف، يخالف هذه القاعدة، وبتعبير أدق، فإن تعامل الاتحاد مع انقلابات القارة ليس متسقاً؛ فعلى الرغم من أن معايير «لومي» واحدة، فإن الاتحاد ظل يتخذ مواقف صارمة في حالات، وأهون في أخرى، وبمراجعة الناجح والفاشل من هذه الانقلابات، خلال العقود الثلاثة الماضية؛ نجد أشهرها انقلاب يحيى جامع في غامبيا، والذي أطاح، وهو في التاسعة والعشرين، بداودا جاوارا، في يوليو/تموز 1994، ثم ظل يفوز بكل الانتخابات الرئاسية، في نموذج فريد للاستبداد، فيسمي نفسه «معالي الشيخ الأستاذ الحاج الدكتور يحيى عبد العزيز غونكونغ جيموس جامع»، وإلى ذلك يتولى العديد من المناصب الحكومية، كوزير للدفاع، وقائد لأركان الجيش، ويروج، فوق ذلك، لقدرته على العلاج العشبي لشتى الأمراض، كالإيدز، والربو، والصداع!
بالمقابل، نجد محاولة المرتزقة الأجانب الفاشلة، في غينيا الاستوائية، عام 2004؛ لإسقاط الرئيس أوبيانغ نغيما، وتنصيب آخر يساعدهم في إحكام قبضتهم على ثروات البلاد النفطية، كذلك حاول الجنرال نيومباري الانقلاب، في بوروندي، على الرئيس نكورونزيزا، أثناء غيابه في زيارة لتنزانيا، في مايو/أيار 2015؛ وذلك بمنع طائرته من دخول المجال الجوي البوروندي، لولا أن الرئيس استطاع الدخول في اليوم التالي، فأفشل المحاولة. وكان البشير، في السودان، هو آخر الرؤساء الذين سقطوا، خلال السنوات القليلة الماضية؛ إثر اندلاع الثورة في ديسمبر/كانون الأول 2018، وانحياز الجيش لها، لتنتصر في إبريل/نيسان 2019.
ومع أن الاتحاد الإفريقي ملتزم نظرياً كما أسلفنا، برفض الأساليب غير الدستورية في تغيير الأنظمة؛ لكن ما الذي يسعه القيام به عملياً؛ للإجابة عن هذا السؤال، استندت صحيفة «الواشنطن بوست» إلى بحث أستاذ العلوم السياسية توماس تيكو الذي وجد أن مصطلح «التغييرات غير الدستورية» واسع، بما يوفر مرونة للاتحاد؛ كي يستنتج ما إن كان الوضع المعين يمثل تغييراً دستورياً، أم غير ذلك. كما وجد أن مواثيق؛ مثل: «إعلان لومي»؛ و«القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي»؛ و«الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم»، تشكل معايير للالتزام بالديمقراطية. طبق الاتحاد هذه المعايير على الحالة المصرية؛ حيث انفجرت الاحتجاجات الشعبية، إزاء توسيع مرسي لسلطاته، وإقدام الجيش على إطاحته في يوليو/تموز 2013م، فعلق الاتحاد، في البداية، عضوية مصر «حتى استعادة النظام الدستوري»؛ لكن بعد انتخاب السيسي عام 2014؛ أعاد الاتحاد هذه العضوية، معتبراً أن عزل مرسي، بعد الاحتجاجات الشعبية ضده، هو، على الأقل، تمثيل للإرادة الشعبية.
أما بشأن القواعد التي يتوجب على الاتحاد اتباعها في تعليق العضوية، وإعادتها، والتزام المبادئ الموضوعية، فقد أقر الاتحاد بأن عليه الالتزام بتطبيق معاييره باتساق، سواء على الأعضاء الأقوياء أو الضعفاء، مع ذلك لم يتسق الاتحاد، مثلاً، في حالتي بوركينا فاسو2014، وبوروندي 2015م، ففي بوروندي اتخذ موقف التوسط في الأزمة السياسية، معتبراً الانقلاب فاشلاً بمجرد تمكن الرئيس من العودة إلى البلاد؛ لكنه دان انقلاب بوركينا فاسو، بشدة، وهدد بمعاقبة قادته، كذلك بدأ الاتحاد، في حالة زيمبابوي 2017، بإدانة عزل الجيش لموغابي؛ لكنه سرعان ما تراجع على أساس أن «استقالة موغابي نتجت عن حوار بينه وبين بقية القادة»، وفي غامبيا، أيضاً، وعلى غرار زيمبابوي، رفض الاتحاد، في ديسمبر/كانون الأول 2016، الاعترف بجامع؛ بعد رفضه التنحي عقب خسارته في الانتخابات أمام أداما بارو؛ لكنه لم يعلق عضوية غامبيا؛ بل ترك الأمر ل«إيكواس»؛ لإزاحة جامع عن السلطة.
أتى على الساحة السياسية العربية حين من الدهر خبرت فيه ما ظل يعرف، لسنوات طوال، بمصطلح «الأنظمة التقدمية» التي انبنت، أساساً، بآليات «الانقلابات»، وفق مفاهيم البرجوازيات الصغيرة العسكرية، المناقضة، على اختلاف فئاتها وشرائحها، لمفهوم «الديموقراطية الليبرالية»، القائم على احترام مبادئ التعدد والتنوع، والإعلاء من قيم الحريات العامة والحقوق الأساسية.
«الديمقراطية»، إذن، بدلالة الحريات والحقوق السياسية، تتناقض؛ بل تستوجب القطيعة التامة مع نزعة البرجوازية الصغيرة الفوقية للبناء والتغيير، مثلما تقتضي الاستمساك الصارم بضرورة انطلاق هذين البناء والتغيير من قلب حركة جماهيرية متمتعة، قبلاً، بحرياتها وحقوقها، في البلدان النامية؛ حيث أكدت خبرة العديد منها أن معظم مشروعاتها، وإجراءاتها الاقتصادية، ومخططاتها السياسية، التي توصف، عادة، بأنها «تقدمية»، كعمليات الإصلاح الزراعي، وتأميم المؤسسات الأجنبية، على سبيل المثال، لا تعدو، بغير المشاركة الشعبية الفاعلة، كونها محض وهم، أو تدابير معزولة يسهل إلغاؤها لدى أول تحرك انقلابي مضادٍ، دون أن يكون بين أيدي الجماهير، صاحبة المصلحة الحقيقية في البناء والتغيير، ما يؤهل لحمايتها، ذلك أن هذه «الديمقراطية» هي، بالفعل، الضامن الحقيقي للتطور والاستقرار، وبغيرها لن يكون لهذه المشروعات أو الإجراءات أي معنى، كما ولن تشهد هذه البلدان أي تطور أو استقرار، مهما نشط التبشير بهما، تحت أية لافتة أو شعار.
غير أن ذلك لا يعني، البتة، علو كعب الوهم المعاكس، من الجانب المقابل، بأن الحريات والحقوق السياسية وحدها كفيلة بتحقيق مجتمع الرفاه، أو جنة الليبرالية على الأرض، ولعل أكبر دليل على سداد هذا الاستنتاج بشأن النتائج المترتبة على اختلال هذه المعادلة هو تصدع وانهيار التجربة الاشتراكية العالمية، بعد أن عمرت الثرى، بالإنجازات «المادية»، وارتادت الثريا، ثم إذا بتحولها إلى البناء الرأسمالي يعجز، بالمقابل، عن تحقيق الجنة الموعودة، على الرغم من تعاقب ثلاثة عقود، حتى الآن، من التحليق بأجنحة الديمقراطية السياسية وحدها.
فتجربة الاتحاد السوفييتي، مثلاً، تقدم درساً بليغاً مفاده خطل التعويل على خطة تحقيق الاستقرار وفق معادلة التضحية بالحريات والحقوق «السياسية» ثمناً لتحقيق الرخاء «المادي» للمواطنين؛ حيث حققت تلك التجربة، بالفعل، مستويات مشهودة من الوفرة في الغذاء، والسكن، والصحة، والتعليم، والثقافة، والرياضة، مثلما راكمت إنجازات هائلة في مجالات العلوم، بما في ذلك علوم الفضاء، والفلك، وما إليها.
ومع هذا فقد آل بنيانها التاريخي الضخم إلى انهيار مدوٍ بسبب اختلال معادلة تحقيق المكاسب «المادية» للشعب على حساب حقوقه «السياسية»، ثم ها هي الأزمات، الآن، تحتوش روسيا الرأسمالية، أيضاً، بسبب نفس المعادلة المختلة؛ حيث توفرت للمواطنين حقوقهم «السياسية»، لكن على حساب حقوقهم «المادية».
هكذا ينبغي أن يرسخ في وعي القوى الوطنية الديمقراطية الحقيقية، في بلدان العالم الثالث، وفي خطها الدعائي، بالتبعية، أن خطط ما يسمى ب«الأنظمة التقدمية» وهم كبير؛ حيث نشدان التطور الحضاري، والتقدم الاجتماعي، لا يكون بالإنجازات «المادية» وحدها، ولا بالإنجازات «السياسية» وحدها، وإنما بالجدية في ترسيخ «الديمقراطية» ذات المحتوى الاجتماعي، مما يستتبع بذل الجهد، ابتداء، لبناء أوسع تحالف للقوى الوطنية الديموقراطية، شاملة تياراتها السياسية، ومنظماتها المدنية، وروابطها المجتمعية، واتجاهاتها الفكرية، ورموزها العامة، في مسيرة قاصدة، لا لبناء ديمقراطية شكلية «عرجاء»، كيفما اتفق، وإنما لتحقيق وتعزيز «الديمقراطية» المعنية بضمان «الحقوق السياسية» و«العدالة الاجتماعية»، في آن واحد، تحملاً لمشقات هذه المعادلة، وقبضاً على جمرها، ثم حشداً للقوى الشعبية المشار إليها كافة، كلما لزم الأمر، لمنازلة الشمولية، والمظالم الاجتماعية، وإلحاق الهزيمة بها، دون الاضطرار للتورط في أية مؤامرة انقلابية.
[email protected]
لا يجوز فرض أي قيود على المواطنين بالاستناد إلى العقيدة، أو الدين. كما يحظر الاستغلال السياسي للأديان.
يجدر بنا، في السودان، ألا نقلق على مستقبل الثورة، طالما أن ثمة قوى رئيسية ما تنفك تكبر، وتتطور، يوماً بعد يوم، في مقدمتها «لجان المقاومة» التي كانت، بالأمس، وقودها، قبل أن تنجز مليونية الثلاثين من يونيو/ حزيران المنصرم، كخطوة ذات دلالة كبيرة، بلا شك، على طريق «ثورة في الثورة».. ما يستحق أن نقلق لأجله، حقاً، هو أننا نتصرف، أحياناً، كما لو كنا خلواً من أي تاريخ، أو ذاكرة، أو أبسط خبرة. خذ، مثلاً، ارتباكاتنا بشأن الموقف من علاقة «الدولة/ السياسة/ الدين». فما كادت «مفاوضات السلام» تبدأ، حتى استبقها وفد الحركة الشعبية جناح الحلو، باشتراطه تعهد وفد الحكومة الانتقالية بتضمين أي اتفاق سوف يتم التوصل إليه صيغة «العلمانية» كإطار لحكم البلاد، وإلا أوقفوا مشاركتهم في المفاوضات، ورفعوا مطلب «تقرير المصير». فما هي الحقيقة حول ضرورة اشتراط هذا المصطلح بالذات، كما لو كان المطلوب إعادة اختراع العجلة؟
للإجابة، ثمة وقائع معينة يلزمنا أخذها في الاعتبار، لكونها تمثل بعض تاريخ التواثق القريب بين أطراف المعارضة، بشقيها السياسي، والمسلح، في شأن خياراتها حول هذه المسألة تحديداً، على النحو الآتي:
خلال الفترة من 26 يناير/ كانون الثاني، إلى 3 فبراير/ شباط 1992م عقدت قيادة «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي اعتبر أكبر تحالف للمعارضة، آنذاك، الدورة الثانية من اجتماعاتها، في لندن، بمشاركة القوى الحزبية كافة، بما فيها الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي بقيادة قرنق، إضافة إلى المؤتمر السوداني الإفريقي، والقوى النقابية، والقيادة الشرعية للقوات المسلحة، والشخصيات الوطنية. في ذلك الاجتماع تمت إجازة «دستور انتقالي» يفترض أن يحكم السودان خلال فترة انتقالية تعقب الإطاحة بالنظام الإسلاموي. وقد اشتمل ذلك «الدستور الانتقالي» على موجهات حول علاقة «الدولة/ السياسة/ الدين» تعبيراً، ولو بالحد الأدنى، عما التقت عليه إرادة الفعاليات المذكورة، وذلك بأن تعامل الدولة معتنقي الأديان السماوية، وكريم المعتقدات الروحية، من دون تمييز في ما يخص حقوقهم، وحرياتهم، ولا يجوز فرض أي قيود على المواطنين بالاستناد إلى العقيدة، أو الدين. كما يحظر الاستغلال السياسي للأديان، وكريم المعتقدات.
وفي 17 إبريل/ نيسان 1993م أصدر التجمع «إعلان نيروبي حول علاقة الدين بالسياسة»، واشتملت أهم بنوده على أن تكون المواثيق الدولية لحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من القوانين السودانية، ويبطل أي قانون مخالف لها، ويعتبر غير دستوري. ولا يجوز تأسيس أي حزب على أساس ديني.
وفي يونيو/ حزيران 1995م أجاز «مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية» قراراً حول «الدين والسياسة»، نص على أنه اعترافاً بتأثير علاقة «الدين والسياسة» في بناء الأمة السودانية، وإدراكاً لحقيقة التعدد الديني، والثقافي، والقومي في السودان، واعترافاً بدور الأديان السماوية، وكريم المعتقدات، كمصادر للقيم الروحية، والأخلاقية التي تؤسس للتسامح، والأخوة، والتعايش السلمي، والعدل، وإدراكاً لفظاعة انتهاكات نظام الجبهة الإسلامية لحقوق الإنسان، والإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، باستغلالها للدين باسم الجهاد زوراً، وتصميماً على إقامة سلام عادل، ودائم، ووحدة وطنية مؤسسة على العدل، والإرادة الحرة لشعب السودان، والتزاماً بمبدأ عدم استغلال الدين في السياسة، فإن التجمع يقر التدابير الدستورية الشاملة لكل مبادئ ومعايير حقوق الإنسان المضمنة في المواثيق والعهود الدولية والإقليمية، بحيث تشكل جزءاً لا يتجزأ من الدستور، وصدور أي قانون، أو إجراء، بالمخالفة لها يعتبر باطلاً، وغير دستوري.
كما يقر بكفالة القانون للمساواة بين المواطنين على أساس حق المواطنة، واحترام المعتقدات، وعدم التمييز بسبب الدين، أو العرق، أو الجنس، أو الثقافة، ويبطل أي قانون مخالف لذلك، ويعتبر غير دستوري. ولا يجوز تأسيس أي حزب على أساس ديني. وتحترم الدولة تعدد الأديان، وكريم المعتقدات، وتلتزم بتحقيق التعايش، والتفاعل السلمي، والمساواة، والتسامح بينها، وحرية الدعوة السلمية لها، وتمنع الإكراه، أو أي فعل، أو إجراء، يحرض على إثارة النعرات الدينية، أو الكراهية العنصرية. كما تؤسس البرامج الإعلامية، والتعليمية، والثقافية القومية، على الالتزام بمواثيق وعهود حقوق الإنسان الدولية والإقليمية.
وبعد، أفلا يكفي كل ما تقدم لتأسيس «السلام» على تلك الخبرات الفكرية، والصياغات التواثقية، شديدة الانضباط والشمول، والتي من شأنها أن تلم شعث ما قد يكون تشتت مفاهيمياً، أو لحقه العوار، هنا أو هناك، بدلاً من التنازع حول مصطلح «العلمانية» الذي إنْ صلح لحوارات المنتديات الثقافية والفكرية، فلن يصلح للمواثيق والعهود الدستورية؟
[email protected]
يجب أن نؤسس السلام الذي نصبو إليه على خبراتنا، وتجاربنا التواثقية ، والخروج منها بصيغة شديدة الانضباط والشمول، نلم بها شعث ما قد يكون تشتت
ما كادت مفاوضات جوبا للسلام في السودان تبدأ، حتى استبقها وفد الحركة الشعبية جناح الحلو، مشترطاً تعهُّد وفد الحكومة الانتقالية بتضمين أي اتفاق يتم التوصل إليه صيغة «العلمانيَّة» لحكم البلاد، وإلا عطلوا مشاركتهم في المفاوضات، ورفعوا مطلب «تقرير المصير لمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق»! فما هي الحقيقة حول ضرورة اشتراط هذا المصطلح بالذَّات؟!
للإجابة، ثمَّة وقائع يلزم أخذها في الاعتبار، كونها تمثل بعض تاريخ المعارضة القريب، وتواثقها بشأن خياراتها حول هذه المسألة، تحديداً، وذلك على النحو الآتي:
} أولاً: خلال الفترة من 26 يناير إلى 3 فبراير 1992م عقدت قيادة «التجمع الوطني الديمقراطي» المعارض للنظام البائد، الدورة الثانية من اجتماعاتها، في لندن، بمشاركة القوى الحزبية كافة، بما فيها الحركة الشعبية الموحدة، آنذاك، بقيادة قرنق، والتي انضمت للتجمع في 1990م، إضافة إلى المؤتمر السوداني الإفريقي، والقوى النقابية، والقيادة الشرعية للقوَّات المسلحة، والشخصيات الوطنية، حيث:
(1) تمت إجازة «دستور انتقالي» يُفترض أن يُحكم به السُّودان خلال فترة انتقالية تعقب الإطاحة بالنِّظام الإسلاموي، وتنشأ، بمقتضاه، هيئة تشريعية تتولى اقتراح الدستور الدائم.
(2) تم التأمين على بنود «ميثاق التجمع» التي تلزم الحكومة الانتقالية بعقد مؤتمر دستوري لأهم القضايا، وعلى رأسها الهُويَّة، وعلاقة الدِّين والدَّولة، واقتسام السلطة والثروة.
(3) اشتمل «الدستور الانتقالي»، ضمن المادة 10 منه، على نصوص حول علاقة «الدولة/ السياسة/ الدِّين» تعبيراً، ولو بالحد الأدنى، عمَّا التقت عليه إرادة الفعاليات المذكورة، وذلك على النَّحو الآتي:
أ/ تعامل الدَّولة معتنقي الأديان السماوية، وكريم المعتقدات الروحية، دون تمييز فيما يخص حقوقهم وحرياتهم المكفولة، دستورياً، ولا يجوز فرض أي قيود على المواطنين بالاستناد إلى العقيدة أو الدِّين.
ب/ يهتدي المسلمون بالإسلام ويسعون للتعبير عنه، ويهتدي المسيحيُّون بالمسيحية ويسعون للتعبير عنها.
ج/ يُحظر الاستغلال السِّياسي للأديان وكريم المعتقدات.
} ثانياً: في 17 إبريل 1993م أصدر التجمع «إعلان نيروبي حول علاقة الدِّين بالسياسة»، وأهم بنوده:
أ/ المواثيق الدولية لحقوق الإنسان جزء من القوانين السودانية، ويبطل أي قانون مخالف لها، ويُعتبر غير دستوري.
ب/ يكفل القانون المساواة بين المواطنين على قاعدة حقِّ المواطنة، واحترام المعتقدات، وعدم التمييز بسبب الدِّين، أو العرق، أو الجِّنس، أو الثقافة، ويبطل أي قانون مخالف لذلك، ويُعتبر غير دستوري.
ج/ لا يجوز تأسيس أيِّ حزب على أساس ديني.
د/ تعترف الدولة، وتحترم، تعدد الأديان، وكريم المعتقدات، وتلتزم بتحقيق التعايش، والتفاعل السِّلمي، والمساواة، والتسامح بينها، وحريَّة الدّعوة السِّلمية لها، وتمنع الإكراه، أو أي فعل، أو إجراء، يحرِّض على إثارة النعرات الدِّينية، أو الكراهية العنصرية.
} ثالثاً: في يونيو 1995م أجاز «مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية» قراراً حول «الدِّين والسياسة» على النحو الآتي:
اعترافاً بتأثير العلاقة بين «الدِّين والسياسة» على بناء الأمة السودانية، وإدراكاً لحقيقة التعدد الدِّيني، والثقافي، والقومي في السودان، واعترافاً بدور الأديان السَّماوية، وكريم المعتقدات، كمصادر للقيم الروحية، والأخلاقية التي تؤسِّس للتسامح، والأخوة، والتعايش السِّلمي، والعدل، وإدراكاً لفظاعة انتهاكات نظام الجَّبهة الإسلاميَّة لحقوق الإنسان، والإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، باستغلالها للدِّين، وباسم الجهاد زوراً، والتزاماً بمبدأ عدم استغلال الدِّين في السِّياسة، يقر التجمع التدابير الدستورية الآتية:
(1) كلُّ مبادئ ومعايير حقوق الإنسان المضمَّنة في المواثيق والعهود الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان تشكل جزءاً من الدستور، وأي قانون، أو مرسوم، أو قرار، أو إجراء، بالمخالفة لذلك يعتبر باطلاً، وغير دستوري.
(2) يكفل القانون المساواة بين المواطنين على أساس حقِّ المواطنة، واحترام المعتقدات، والتقاليد، وعدم التمييز بسبب الدِّين، أو العرق، أو الجِّنس، أو الثقافة، ويبطل أيُّ قانون مخالف لذلك، ويُعتبر غير دستوري.
(3) لا يجوز تأسيس أي حزب على أساس ديني.
(4) تعترف الدولة، وتحترم، تعدد الأديان، وكريم المعتقدات، وتلتزم بتحقيق التعايش، والتفاعل السلمي، والمساواة، والتسامح بينها، وحرية الدعوة السلمية لها، وتمنع الإكراه، أو أيَّ فعل، أو إجراء، يحرّض على إثارة النعرات الدينية، أو الكراهية العنصرية.
أفلا يكفينا، إذاً، كل ما تقدم كي نؤسس السلام الذي نصبو إليه على خبراتنا، وتجاربنا التواثقية السابقة، والخروج منها بصيغة شديدة الانضباط والشمول، نلم بها شعث ما قد يكون تشتت مفاهيمياً، أو لحقه العوار، هنا أو هناك، بدلاً من التنازع حول مصطلح إنْ صلُحَ لحوارات المنتديات الثقافية والفكرية، لن يصلح للمواثيق والعهود؟!
[email protected]
ما من شعب على وجه الأرض، بالغاً ما بلغ ارتقاؤه في مدارج التطور إلا وتخالط ثقافته المعتقديّة ضروب من الميتافيزيقيا عبر آلاف السنوات.
على كثرة الجهود التي ظلت تُبذل، منذ استقلال السودان، لإرساء دعائم السلام في ربوعه، وما يُبذل في سبيل ذلك من مال، ووقت، فإنها ظلت جهوداً إجرائية، تبدأ، وتنتهي، حول طاولات التفاوض الرسمي، من جولة لأخرى، بوساطات إقليمية، أو بغيرها. غير أن ثمة جهداً آخر، عملياتياً وليس إجرائياً، تحتاج إليه صناعة السلام، ويتمثل في التركيز على تضافر السياسات الاقتصادية، والثقافية، والتعليمية، والتربوية، وما إليها، باتجاه تكامل الشخصية الوطنية، مما يستحيل تحققه من دون أن تتصالح هذه الشخصية مع ذاتها، الأمر الذي ينبني على تصالحها، قبل كل شيء، مع واقعها المتنوع، تنوعاً يتمظهر حتى في أبسط الرؤى الميتافيزيقية. ومن أمثلة ذلك قصة حقيقية رواها الفريق سلفا كير ميارديت، النائب الأول لرئيس الجمهورية، قبل الانفصال، ورئيس دولة الجنوب لاحقاً، وكنا قصدناه في جوبا، ذات نهار خريفي من أواخر يوليو/ تموز 2010م، لنعزيه في الفقيد سامسونق كواجي، أحد الرموز النضالية للحركة الشعبية الحاكمة، ووزير الزراعة في الإقليم.
استقبلنا في مجلسه بأمانة الحكومة، في عاصمة الجنوب، وكنا خليطاً من عناصر مستعربة، وغير مستعربة، مسلمة وغير مسلمة، من الحكومة الاتحادية، ومن المعارضة السياسية، ومن المجتمع المدني. وفي بعض منعرجات المؤانسات المعتادة في المآتم، حكى لنا سلفا، ولم يكن سبق لي أن اقتربت منه، شخصياً، أو لامست أسلوبه الشائق في الحكي، أنه، وفي أحد الأيام التي أعقبت مفاوضات السلام بضاحية نيفاشا الكينية بين حكومة السودان، وبين الحركة الشعبية، وقبيل التوقيع النهائي على اتفاقية السلام الشامل، حدث أن قام الزعيم الراحل د. جون قرنق بزيارة إلى منطقة «نيو سايت»، ضمن «الأراضي المحررة»، بصحبة وفد يضم بعض رموز الحركة السياسية، والعسكرية، والإعلامية، للالتقاء مع بعض السلاطين المحليين، والشخصيات الروحية «الكجور»، بغرض التأكيد على الدور الكبير الذي لعبوه، خلال الحرب، والتشديد على الدور الأكبر الذي ينتظرهم خلال المرحلة القادمة. وواصل سلفا روايته قائلاً: ما لبث «الكجور» أن انخرطوا، عند نهاية اللقاء، كما هي العادة، في طقس خاص لمباركة السلام. وكان ضمن من جاؤوا معنا من نيروبي صحفي نوبي من أقاصي شمال السودان. كان "الطقس" يقضي بأن يؤتى بثور ضخم إلى وسط حلقة واسعة من الأهالي، ثم يهمس «الكجور» في أذن هذا الثور ببعض الأدعية «الروحية»، وشرح البعض للصحفي النوبي أن الثور، إذا هز رأسه، بعد سماع الهمس، وتبوّل، ثم برك ميمّماً وجهه شطر الشمال، فإن تلك ستكون دلالة على القبول، وأن السلام مبارك! أما إذا لم يفعل، فلن يكونا مقبولين! واستطرد سلفا قائلاً: على الرغم من أن صديقنا النوبي ظل صادقاً، دائماً، في حماسه لمشروعية الاختلاف، ولفكر التنوع، إلا أنه لم يكن ليصدق، بطبيعة الحال، أن شيئاً مما قيل له سوف يحدث! مع ذلك، ما أن أكمل «الكجور» التمتمة في أذن الثور، حتى هز رأسه، وتبوّل ملياً، ثم برك ميمّماً وجهه صوب الشمال!
ومضى سلفا يقول: في تلك اللحظة، بالتحديد، حانت مني التفاتة إلى الصحفي النوبي، فرأيت وجهه يشحب رويداً رويداً، حتى إذا أكمل الثور تداعيه على الأرض، ووجهه إلى الشمال، وعيناه جاحظتان، وسيقانه متيبسة، وبوله «يسرسب» من تحته، أطلق صاحبنا ساقيه للريح، ما كبد الشباب رهقاً في اللحاق به، وطمأنته، ثم إحضاره إلى حيث وجدنا منفجرين بضحك مجلجل، بما فينا قرنق ذاته، بل و«الكجور» أنفسهم.
ووسط لجة الصخب الذي أحدثته الحكاية جعلت أفكر كم هي هائلة منظومة الوحدة المتعددة، بطوابعها المتنوعة، وذائقاتها الدينية، والثقافية، والإسلامية، والمسيحية، و«الأرواحية» التي لا حصر لها. فما من شعب، على وجه الأرض، بالغاً ما بلغ ارتقاؤه في مدارج التطور المادي، والاقتصادي، والعلمي، إلا وتخالط ثقافته المعتقدية ضروب من الميتافيزيقيا عبر آلاف السنوات، حيث مؤسسات البنية الفوقية للمجتمع عادة ما تكون أبطأ في التغير من مؤسساتها التحتية، وأن الناس في هذه الدنيا ما زالوا أسرى حاجتهم البكرة للسحر، ولما لا حصر له من التصورات، والأخيلة الميتافيزيقية التي تعينهم على التماسك إزاء ظواهر الطبيعة، ونزقها، وتفلتاتها. لكن، بقدر ما تتكافأ وتتساوى القيمة الثقافية والروحية لهذه التصورات والأخيلة، ودلالاتها المعتقدية، لدى مختلف الشعوب، والتكوينات الإثنية، والقبلية، بقدر ما تتنوع وتختلف الأشكال والطرائق التي تتمظهر بها هذه التصورات والأخيلة، من دون أن يكسبها هذا التنوع والاختلاف أية ميزة نوعية على بعضها بعضاً.
[email protected]