التفتت والفتنة بين الشعوب العربية

03:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

تعاني بعض الدول العربية من صراعات داخلية، ويبدو من مجموعة المؤشرات والتطورات التي تجري في هذه البلدان أن الأمور تتجه إلى صراعات أهلية بهدف تمزيق خارطة الأوطان والمجتمعات وفصل مناطق غنية بمواردها الطبيعية ضد أخرى فقيرة وخلق واقع جديد والفصل بين أجزائه وسط حقيقة يشجعها الفرقاء .

هذا ليس من باب التشاؤم وإنما مبني على استقراء للأحداث القائمة في هذه الدول التي تتجه إلى الفتنة والتفتت، بل إن الفوضى بانت قدراً ومنهجاً عملياً يومياً لكثير من الحكومات والمجتمعات ما قد يؤدي إلى المزيد من الانقسام والفرقة وذلك في ضوء التصريحات السياسية التي تتخذ طريقها إلى الإعلام، وتظهر بين آونة وأخرى مثيرة القلق وداعية إلى الفوضى وأفعال الشر التي تعطي للشر صفات عنصراً قائماً بحد ذاته والمقترن بالقوة الفاعلة المحركة التي تحاول أن تغير من طبيعة الزمان والمكان، طالما أن الحياة تنتهي به دائماً مثل الحلقة المفرغة التي يخور فيها الخير في معظم الأحيان .

فالشر يسلب طمأنينة الأوطان ويؤدى إلى اندلاع الحروب الأهلية ونشوب النزاعات، ذلك لأنه أكثر شدة وترويعاً من كوارث الطبيعة والأمراض الفتاكة، فالحروب تحصد أرواح الملايين من الأبرياء لتتحول إلى عبث وفوضى عارمة تقوض الأخلاق والقيم الإنسانية الخالدة وتدمر منجزات الحضارة البشرية، كما عرف المؤرخ البريطاني اللورد ارنولد جوزيف توينبي أن الإنسان لو أُحسنت تربيته وتثقيفه فإن بمقدوره أن يعيش من دون أن يشن أي حرب . فاللجوء للقوة والعنف ينشئ أمما مشوهة الثقافة ومهمشة التفكير، لا تعرف كيفية التفاهم مع الآخرين، ويتملك نفسيتها المريضة هاجس الخوف والانتقام والفتك بالخصوم ما يجعلها تنزلق في حروب ضارية معرضة الجنس البشري للفناء، فالعنف يولد العنف ويؤجج المشاعر ويرسخ الفتنة والصراع بين مختلف الأمم .

الأمة العربية عليها أن تعود إلى رشدها من أجل إرساء أسس الاستقرار ليغدو السلام قدراً يحرر عقلية الإنسان من براثن الظلام والأساطير والتخلف والجهل، ويعمل على اكتساب معارف التقنية والعلم والتنوير ونبذ تربية الخوف حتى يستعيد ثقته في نفسه ليضع أقداره بعزيمته واستقلاليته في الرأي والتصرف في الحقوق والواجبات وينشط فكره ليطلق عنانه للتأمل والإبداع ويملأ قلبه بحب الوجود والجمال المحيط به ويتسامح مع الآخرين ويتخلص من المشاعر السلبية وينشر الأمل والخير والرفاهية في أنحاء المعمورة، ويرمم المجتمعات ويعيد بناءها على أسس من الفكر الإنساني المستنير .

فالأمم والشعوب تتعلم من معاناتها وجدلية التاريخ وعاقبة الأمور، وتعمل على أن تحيل المستقبل إلى عصر من الرخاء والاستقرار والتقدم والتنوير ما يوفر الخير للجميع . فصناعة السلام عملية بنيوية عقلانية ترتكز على استيعاب المعطيات والتفاعل مع الظروف المحيطة والتكيف مع المتغيرات ومواكبة الميكانيزمات الحضارية والمساهمة في حل المشكلات في ضوء العلاقة المتبادلة بين الأمم والشعوب . فالسلام يقترن بالدبلوماسية التي تعد المحرك الذي يحول الطاقة الخام والقوة الملموسة إلى نتائج سياسية ايجابية، كما تحول الإستراتيجيات إلى أفعال عن طريق دمج طموحات وتوجهات الأمم وطرح أهدافها من أجل الدفع بمصالحها القومية قدماً من خلال الدبلوماسية التي تعني الاستخدام الأمثل والأذكى للحق، فهي ليست بديلا للإكراه والأشكال الأخرى من القوة بل تعتمد على توظيف فعالياتها بمهارة، فليس كافيا أن تمتلك الأمم أهدافاً وخططاً بل ينبغي أن يصاحبها بعد نظر للتنبؤ بالتحديات التي قد تواجهه سياسات بعينها من خلال التقييم المنتظم للحقائق على أرض الواقع .

الدبلوماسية الفعالة ترتكز على فهم معطيات السياق الإستراتيجي لعملية التفاوض والتفاهم والتعاون لارتباطها ارتباطاً لا ينفصم عن ديناميكيات القوة . كما تتطلب من صانعي السياسات أن يطلعوا على تاريخ وثقافات الشعوب الأخرى ويستمعوا إلى آراء الخبراء ويتأقلموا مع وجهات النظرالمتعارضة، ويفهموا الاحتياجات السياسية للأطراف المتفاوضة ونوع الارتباطات التي تقوم بين الدول ومنظماتها وتشكيلاتها بما يشمل المتناقضات المؤدية إلى كل التطورات وسائر مناهج الحياة المتضمنة للتفسير الواسع الكلي الذي يقوم عليه نظام الحياة، ويخرج الشعوب من الأعراض والنفور بالعزلة بين الضمير الشعبي والقائمين على التوجيه والتنفيذ، ومن دون تجاهل الوقائع الثابتة في مفهوم الدستور وتنمية الاقتصاد باعتبار أن السياسة الاقتصادية ليست سوى تطبيق عملي للسياسة الاجتماعية .

هذه هي الحقيقة، ومن العبث أن تحاول بناء الأوطان دون تحديد الخطوط الرئيسية لهذا البناء أو نوع العقلية التي نعدها للحياة .

كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"