التوجهات السياسية في زيارة أوباما

03:46 صباحا
قراءة 4 دقائق

تعدّ زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى منطقة الشرق الأوسط التي تبدأ يوم الأربعاء في إسرائيل بغاية الأهمية، هذه المنطقة التي تعاني مشكلات سياسية معقدة من الصعب السيطرة عليها . وتساءلت بعض وسائل الإعلام العربية عما إذا كان أوباما يمثل مدرسة جديدة في السياسة الأمريكية؟ فقد أقر أوباما بأن وطنه قوة عظمى، لكنها ليست في عنفوانها السابق عندما هزمت ألمانيا وإيطاليا واليابان في الحرب العالمية الثانية، وقاومت الاتحاد السوفييتي حتى سقوطه، وتولت زمام قيادة العالم . وتقول وسائل الإعلام هذه، إن أوباما واجه تركة ثقيلة أهمها، خطر القاعدة، وأزمة مالية حادة، وصعود كبير لدول آسيوية، وعبء أوروبي لم تعد أمريكا قادرة على حمل تبعاته الاقتصادية المتردية، والاستمرار بدعم حلف شمال الأطلسي لزوال معظم الخصوم . وسوف يزور أوباما هذه المنطقة التي تموج بأحداث غير عادية، وتعقيدات عديدة ومتنوعة بكل الكوارث التي يعج بها العصر الحاضر، وبالأخص دول الربيع العربي التي لاتزال في حالة اضطراب وقلاقل وصراع بين القديم والحديث . هذه الأحداث التي تموج بها المنطقة قد تغير الاتجاهات والسياسات الأمريكية تجاه المنطقة كلها ما عدا إسرائيل . ولا يخفى ما في هذا الكلام من خوف داخل المنطقة العربية من السياسات الجديدة للولايات المتحدة، وهو خوف مشروع في ظل الضبابية، وعدم وضوح الرؤية، ما قد يدفع بدول المنطقة كلها إلى فوضى مدمرة . تحت شعار تقاسم النفوذ والمصالح بين القوى الكبرى .

لا شك في أن الولايات المتحدة لم تعد القوة العظمى الوحيدة على الأرض، بل هناك روسيا والصين ومن خلفهما مجموعة دول بريكس الطامحة إلى إحداث تغيير جوهري في خريطة التوازنات الدولية التي لم تعد تصلح لهذا العصر، فمن غير الممكن الاستمرار بقبول فرنسا وبريطانيا كقوتين عظميين وإن كان حقهما في الاعتراض على قرار مجلس الأمن المسمى بالفيتو يجعلهما كذلك وذلك لخفوت تأثيرهما في الشأنين الإقليمي والعالمي، كما أنهما اقتصادياً لا يساويان شيئاً أمام دولة ناشئة مثل الهند . لقد أصبح من الضروري إعادة تموضع القوى العالمية في مواقعها الصحيحة، ويأتي ذلك في وقت بلغت فيه الولايات المتحدة مرحلة متأزمة من الضعف فهي عملاق بكعب أخيل، أي أنها تملك قوة عسكرية وامتداداً دولياً عسكرياً، يشمل كل مناطق العالم في البر والبحر وحتى فضائياً، لكنها تعاني أزمة دين تمتد إلى عشرات السنين السابقة، ومنذ قرارها إعادة إعمار أوروبا وفق مشروع مارشال، لبناء ما تهدم في دول الغرب الأوروبي بفعل الحرب العالمية الثانية، ومن ثم جاءت حروب السيطرة الاستعمارية التي بدأت بالحرب الكورية عام 1950 ،1953 والحرب الفيتنامية 1965 ،1975 وبعد ذلك احتلال أفغانستان عام ،2001 واحتلال العراق عام 2003 .

كل هذه الحروب استنزفت طاقات اقتصادية هائلة، وأوصلت الولايات المتحدة إلى مرحلة الاستدانة، وخاصة منذ العام 1971 ذلك العام الذي تم فيه إلغاء الأساس الذهبي للدولار وتعويم هذه العملة العالمية . وقد بلغت ديون الولايات المتحدة هذا العام ستة عشر تريليون وثلاثمائة مليار دولار، وفق بيان صادر عن وزارة الخزانة الأمريكية، وهذه الديون هي أكثر من ضعف الناتج القومي الأمريكي .

وإزاء هذا الواقع الاقتصادي الصعب، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على الاستمرار في خلق بؤر الصراع في مناطق النفوذ، بل باتت تريد أجلاً طويلاً للراحة والنقاهة، لكن الملفات العالمية الشائكة التي مازالت مستمرة مثل ملف إيران النووي، وتنظيم القاعدة، والأزمة في سوريا، فتحولت إلى حل ثقيل، لذا فإن الولايات المتحدة تريد حلولاً لها، وذلك في إطار التواصل مع روسيا والصين . ولعل ملف القاعدة هو الوحيد الذي يلقى إجماعاً دولياً نظراً لخطورة الإرهاب على مستقبل العالم . ومن هذا المنطلق فإن الإرادة الدولية الجامعة تريد التخلص من ظاهرة التطرف الإسلامي بشكل كامل ونهائي، وتجفيف منابع المال والسلاح للتنظيمات السلفية الجهادية، وحتى لو تطلب الأمر فرض عقوبات على الدول التي يشتبه في أنها تدعم أو تروج أو تغذي التطرف الديني الإسلامي؛ ما قد يطال دولاً في المنطقة موصوفة بأنها حليفة للولايات المتحدة . وفي الملف السوري، فإن الإرادة الدولية أجمعت على ضرورة التفاهم بين الحكومة والمعارضة من أجل التوصل إلى تسوية ترضي الجميع . أما الملف الإيراني، فإن الإجماع الدولي لم يتحقق حوله بعد، بسبب وجود العامل الإسرائيلي، ذلك أن إسرائيل لا تريد من الولايات المتحدة التلاقي أو التقارب مع إيران طالما أن هذه الأخيرة ترفض التوقف عن إنتاج الوقود النووي، ولا ينفك قادة إسرائيل عن التهديد بشن هجوم فردي على مفاعلات إيران الذرية . ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن أوباما قوله لزعماء اليهود إن واشنطن لن تدق طبول الحرب مع إيران لإرضاء الآخرين . وكان نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن قد قال أمام مؤتمر أيباك إن واشنطن لا تبحث عن حرب وإنما عن المفاوضات السلمية . وخلال زيارة الرئيس أوباما المرتقبة إلى فلسطين المحتلة، فإنه سيطلب من قادة إسرائيل العمل على تحقيق السلام في المنطقة بما ينهي النزاع العربي الإسرائيلي، وفق مرجعية مدريد للسلام العام ،1991 وبهذا العمل تكون الخطة الأمريكية لنزع فتيل الأزمات قد حققت مرادها، ما سيسمح للولايات المتحدة بأن تلتفت إلى بيتها الداخلي، دون الخوف من تطاول الأعداء عليها، بحيث تمثل النزعة العالية التي تفضي إلى توكيد الأخلاق السياسية والفكرة الأساسية في نظرية الكون وكل أنواع النفوذ في الطبيعة الحقيقية للعالم .

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"