الثورية ومسرحية اللامعقول

05:30 صباحا
قراءة 4 دقائق

هل قدر المنطقة العربية أن يقسو عليها الآخرون وإن تقاعسوا تقسو هي على نفسها كما نرى على هذا النحو؟ وكأن التاريخ يعيد كتابة نفسه، ولكن بأقلام مختلفة وبأبطال تبدلت أماكنهم وأدوارهم .

في ظل المتغيرات السياسية الجديدة، مازال الإنسان العربي يخوض غمار الحياة، وفي غمرة النضال يجد نفسه غارقاً في الفضاء، تحيطه الظلمة من كل مكان، وتدور حوله الأوضاع السياسية والاقتصادية في مداراتها الرتيبة . يجد نفسه سابحاً تتقاذفه الأمواج المعيشية العاتية، ويعيش القلق والتوترات العصبية والضوضاء . بعد مرور أكثر من عام على التحولات التي طرأت على الوطن العربي، وترتّب عليها انتهاء حقبة حسني مبارك في مصر والقذافي في ليبيا وعلي عبد الله صالح في اليمن وزين العابدين بن علي في تونس التي انفجرت منها بدايات الثورة العربية وضربت المثل الأعلى في الصمود أمام الديكتاتورية . . الآن بدأت تتضح الرؤية بشكل أكبر في ماهية هذه التطورات . والسؤال الذي يطرح نفسه، ما مدى استفادة شعوب هذه الدول من سقوط الأنظمة الاستبدادية؟

عندما حصلت هذه الشعوب العربية على الحرية والديمقراطية التي حلمت بها، أدركت أن ثمن هذه الحرية ليس سهلاً، وأن أحلامها في الانتقال إلى عالم جديد بلا مشكلات أصبحت ليست بالأمر السهل . فمن خلال المناقشات التي تدور عن هذه القضايا، يتضح أن ليبيا التي احتفلت بالذكرى الأولى للثورة الشهر الماضي، أطاحت النظام السابق الذي انزاح خلال فترة حكمه من النموذج القومي الناصري إلى الإطار المحلي الليبي، ومن ثم إلى الدائرة المناطقية والقبلية متمسكاً بتلك الهوية العشائرية .

وكان الجيش عبارة عن كتائب يسيطر عليها أبناء القذافي وممن لهم ولاء قبلي، ونتيجة هذه التركيبة بدأت نذر الصوملة تحوم حول الأرض الليبية بعد أن انقسم الثوار إلى طوائف لكل منها ميليشيات . وكما كان متوقعاً جاء إعلان منطقة برقة يوم الثلاثاء السادس من مارس/ آذار الجاري من بنغازي شرقي ليبيا إقليماً فيدرالياً وتأسيس مجلس إقليم برقة الانتقالي لإدارة شؤون الإقليم . كما أعلن المشاركون في بيانهم اعتماد دستور الاستقلال الصادر عام 1951 منطلقاً وفقاً لما تقتضيه ظروف ليبيا الراهنة . ومن المتوقع أيضاً أن يعلن جنوب البلاد انفصاله وتأسيس دويلة جديدة عاصمتها سبها لتكون شوكة في خاصرة دويلة الشمال على غرار شمال السودان وجنوبه، وذلك كله حتى لا ينعم الشعب الليبي بثمرات الاستقرار، وأن يعيش غموض المستقبل ليزيد الأخطار المحدقة بوطنه، ويثير المزيد من القتال بعد أن مزقته الأهواء التي جلبت الخلافات وصعّدت الفرقة بين أفراده .

لاشك في أن الدولة لا يمكن أن تحقق مقاصدها إن لم تجتمع فيها قوى الأمة كافة، وبخاصة قوى العقيدة والأيديولوجيا والثقافة؛ فإن لم تجتمع هذه القوة في الدولة، فإن الدولة لن تبلغ البتة أهدافها، والواقع يقذف بها إلى خارج دوائر الزمان ثم إلى الزوال والتفكك، خصوصاً إذا كان النظام السياسي والاقتصادي لايزال في رحم الغيب، ولم تحدد قواعده ومفاهيمه . فالنظام الجديد في ليبيا لا يمكن له أن يتجسد إلا داخل إطار أيديولوجية جديدة ذات نسق جديد كل الجدة من الآراء والأفكار السياسية والقانونية والأخلاقية . ومن البديهي أن تقوم مثل هذه الأيديولوجية بإسقاط الفلسفة الشمولية للنظام السابق بكل ما اشتق عنها من أنظمة سياسية واجتماعية، وتشكيل صورة للمستقبل السياسي والاقتصادي، خصوصاً أن ليبيا ولمدة نصف قرن، كانت معزولة عن الإسهام في التنظيم الاقتصادي، كما أنها تفتقر إلى الأنظمة والقوانين التي تحكم الوضع الاقتصادي العالمي الذي كان ممثلاً في القطاع العام . والوجه الآخر للمشكلة الاقتصادية التي تعاني منها ليبيا هي احتياجها إلى الدعم المادي من الدول العربية؛ فالاستثمار العربي يعد من أهم الجوانب التي ترنو إليه أبصار شعبها، خصوصاً أن أسواقها ومشاريعها الاقتصادية ضعيفة ولا تستطيع أن تُسايِر هذا التحول بسبب الأوضاع السياسية السابقة . وكذلك فلا أمل بانفراج الوضع الليبي إلا من خلال تشكيل الجيش والأمن لكي يتمكن من حفظ النظام ويعمل على تهيئة الظروف الموضوعية لتحقيق الوحدة الوطنية وحمايتها وتوفير أسباب قوتها وديمومتها .

فالسِلم الأهلي والتلاحم الوطني جهد متواصل يشترك الجميع في صنعه وعلى تطوره واستمراريته، من خلال إزالة سوء الفهم وتوطيد العلاقة القائمة على احترام حقوق أبناء المدن الليبية كافة .

مما لا شكّ فيه أن مواصلة مسيرة التغيير والإصلاح بحاجة إلى مراجعة ثمار هذا التحول، فثمن هذه الحرية ليس سهلاً، وكذلك أحلام هذه الشعوب في الانتقال إلى عالم يفيض بالحرية والعدالة وامتلاك مقدرات البلاد، والسعي إلى الإفادة منها في بناء الشخصية الوطنية بأن يكون الإنسان محور عملية التغيير لتحقيق التقدم، حيث إن كل جهد لن يكون مجدياً ما لم يتحقق التغيير في أعماق الإنسان، هذا الإنسان وهو فوق أرض مفعمة بالخصوبة والثراء، المعطلة تحت أقدامه، وتحيط به ولا تجد من يزرعها أو ينقلها من الموات إلى الحياة، وإعادة إعمار المجتمع عمرانياً وزراعياً وصناعياً وسياحياً وعسكرياً، بحيث يلبي الوطن بإمكاناته ومقدراته طموح أبنائه، فيستعيدون مجدهم الذي صنعوه من قبل حضارة مازال العالم يعيش تحت شمسها المشرقة منذ قرون عديدة .

* كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"