الحصار الغربي على روسيا

03:15 صباحا
قراءة 3 دقائق
حسام ميرو

بعد أن جدّد الاتحاد الأوروبي عقوباته المفروضة على روسيا، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، العقوبات التي فرضها الكونجرس بغالبية أعضائه على روسيا، على خلفية تدخل موسكو في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في العام الماضي، وضم روسيا لشبه جزيرة القرم في أوكرانيا، وبذلك فإن مشهد الحصار الغربي على روسيا يبدو واضحاً، وتتجلى فيه خطوات التنسيق بين أوروبا والولايات المتحدة، والموقف الموحد تجاه سياسات الكرملين الساعية إلى وضع روسيا من جديد على خريطة النفوذ العالمي، كقوة عظمى ثانية، وما يحمله هذا السعي من مخاطر على المصالح الغربية.
لقد وقفت روسيا عبر تدخلها العسكري في القرم ضد دخول أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وجاء هذا التدخل ليبرز اعتبار موسكو أن تحول أوكرانيا تجاه أوروبا هو بمثابة تحدٍّ للمصالح القومية الروسية، وأن موسكو مستعدة للذهاب عسكرياً أبعد من خطوتها تجاه القرم في الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في أوروبا، وتحديداً في مجالي الأمن القومي والطاقة.
إن السجالات التي أثارها التدخل الروسي في القرم داخل «الناتو» أبرزت على مدار الأعوام الثلاثة الماضية مخاطر العودة إلى إشعال الحروب في أوروبا، وهو ما يعد بمثابة انتكاسة للنظام الدولي الذي تأسس بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً في اتفاقية يالطا في عام 1948، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يكون مقبولاً من أوروبا وشريكها الأمريكي، وبالتالي فإن الرد الأوروبي على روسيا جاء على هيئة عقوبات اقتصادية، شملت عدداً من القطاعات الحيوية الروسية، في مجالات الطاقة، والتكنولوجيا، والمصارف. لقد شكّل دخول بعض أهم دول أوروبا الشرقية، والتي كانت جزءاً من الكتلة الشرقية، إلى الاتحاد الأوروبي، ضربة قوية لنفوذ روسيا، خصوصاً مع انكفائها خلال عقد التسعينات من القرن الماضي نحو معالجة قضايا الداخل، وإعادة هيكلة المؤسسات الروسية التي انهارت، وعلى الرغم من تمكّن روسيا من تجاوز الكثير من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية خلال العقد الأول من الألفية الثالثة بسبب ارتفاع العوائد الريعية من النفط، إلا أنها لم تتمكن من تأكيد نفسها أوروبياً وعالمياً.
ويدرك قادة الكرملين أن خسارة روسيا لنفوذها في أوروبا هي بمثابة رضوخ نهائي للسياسات الغربية، وتخلٍّ عن أي طموح في استعادة مكانة روسيا على مسرح النظام الدولي، ومن هذا المنطق فإن تدخلهم العسكري في القرم كان الأسلوب الوحيد لتهديد الأمن القومي الأوروبي، وخلط الأوراق في القارة، بل أن قادة الكرملين ذهبوا خطوة أوسع في تدخلهم في سوريا، والاقتراب من منابع الغاز المكتشفة في المتوسط، وبالتالي عودة روسيا كلاعب مهم ورئيسي في صراع الطاقة في العالم.
في المقابل، يدرك قادة الدول الأوروبية أنه لا ينبغي إعادة عقارب الزمن إلى الوراء في القارة الأوروبية، وأن الصراع في أوروبا لا ينبغي له أن يكون صراعاً عسكرياً بأي حال من الأحوال، وأن الاستفزاز الروسي يجب التعاطي معه بأدوات مختلفة، وفي ساحات بعيدة عن ساحة الأعمال الاستفزازية العسكرية المباشرة، ومن هنا فإن منطق العقوبات الأوروبية جاء ليحقق أمرين في الوقت نفسه، ويتمثل الأمر الأول في الضغط على القطاعات الحيوية للاقتصاد الروسي، والأمر الثاني هو جعل روسيا تبدو كدولة خارجة عن القانون وتستحق العقاب.
إن التوجه الأوروبي -الأمريكي في إدارة الصراعات الرئيسية في العالم، ومنها الصراع مع موسكو، يكمن في الديناميات الجديدة للعولمة، والتي أتاحت لأوروبا وأمريكا تقدماً كبيراً في سوق العمل الدولي، كما أن هذا التوجه العولمي على المستوى الاقتصادي يضع الاقتصاد كسلاح فعال في مواجهة الخصوم، ويقلل من احتمالات المواجهة المباشرة معهم، ودفعهم للانكفاء نحو أزمات الداخل، وحرمانهم من تصدير تلك الأزمات نحو الخارج على نطاق واسع.
إن خريطة الدول التي تتصدر لائحة الناتج القومي الإجمالي تبرز بشكل واضح الهوة الكبيرة بين دول أوروبية كبرى، مثل ألمانيا وفرنسا، وبين روسيا، فألمانيا تحتل المرتبة الثانية عالمياً، وفرنسا المرتبة السادسة، بينما تحتل روسيا المرتبة العاشرة، كما أن الناتج القومي في الدول الأوروبية الكبرى يأتي من قطاعات عولمية، وفي مقدمتها التكنولوجيا، بينما تحصل روسيا على القسم الأهم من ناتجها القومي من ريع الطاقة. لقد أملت موسكو أن تمضي في بناء تفاهمات واسعة مع إدارة الرئيس ترامب، وأن تعزز من شراكتها مع أمريكا في قيادة النظام الدولي، وقد جاء توقيع ترامب على عقوبات ضدها ليجعل تلك الآمال تتبخر، ولتكشف من جديد أن روسيا من وجهة نظر أمريكا والغرب لم تعد لاعباً رئيسياً في إدارة النظام الدولي القائم على العولمة، وأن الغرب قادر عبر تراكم العقوبات الاقتصادية على تحجيم طموحات خصومه، وجعلها أكثر واقعية.
husam [email protected]

عن الكاتب

إعلامي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"