تواجه أمريكا، وربما للمرة الأولى منذ صعودها كقوة إمبراطورية على المسرح العالمي، بعد الحرب العالمية الثانية، حالة غير مسبوقة، كشفت عنها الأشهر الأخيرة، في حربها مع إيران. لا تتعلق هذه الحالة بمدى تفوقها، العسكري والاقتصادي والتكنولوجي، وإنما بمدى الثقة العالمية وبمدى قدرتها على الهيمنة في النظام الدولي، هذه الهيمنة التي كانت، في جوهرها، تعكس حالة من الإيمان العالمي بقدرة الولايات المتحدة على الحسم، وبمشروعية دورها في النظام الدولي، وهو دور يشهد حالة مراجعة عميقة، إن لم نقل اهتزازاً، وبالتالي، فإن السؤال المطروح لا يتعلق بكون الولايات المتحدة لا تزال القوة الأكبر أم لا، وإنما هل لا يزال العالم يثق بهذه القوة كما كان على مدار أكثر من ثمانية عقود؟ وهنا تحديداً، تتبدى ملامح ما يمكن تسميته ب«طور الشكّ العالمي».
إن مراجعة الدور الأمريكي في النظام الدولي، والتي تظهر اليوم بحدّة عبر عدد من المؤشرات، كانت قد بدأت فعلياً بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، والذي طرح إشكالية تتعلق بمبررات التدخل، وحدوده، حين تبيّن أن الأسس التي بُنيت عليها الحرب لم تكن دقيقة، ما دفع العالم للنظر إلى السلوك الأمريكي بوصفه تعبيراً عن إرادة أحادية، أكثر منه قيادة دولية، ما أحدث تحولاً نوعياً، فلم تعد الولايات المتحدة تُنتقد على نتائج أفعالها فقط، وإنما أيضاً على دوافعها ونواياها، خصوصاًَ مع الافتراق، أو القطيعة التي أحدثها هذا الاحتلال، بين سردية أمريكية تاريخية تقول بدعم الديمقراطية، واحترام الأمم المتحدة، وبين واقع يفتت بلداً بأكمله، خارج إطار الشرعية الأممية، وكانت بذلك، لحظة احتلال العراق ملمحاً أساسياً من ملامح الانتقال إلى مرحلة الشكّ العالمي بأمريكا، كقائدة للنظام الدولي، ومسؤولة أساسية عن حماية القواعد الدولية.
بعد ذلك، جاءت لحظة الانسحاب من أفغانستان 2021 لتعمّق هذا التحول، ليس بوصفها نهاية حرب طويلة فقط، بل كصورة مكثفة لانكشاف استراتيجي، فقد أثار الانسحاب تساؤلات جديّة، لدى الحلفاء قبل الخصوم، حول مدى استمرارية الالتزام الأمريكي، وحول قدرة واشنطن على إدارة مشاريع طويلة الأمد، وبشكل أساسي حول صوابية الرؤية الاستراتيجية الأمريكية، من عدمها، ومستوى الارتجال في اتخاذ قرارات بالغة الأهمية، وعالية المخاطر والكلفة، بين احتلال سريع وانسحاب مفاجئ، بينهما عشرون عاماً من الفشل في تحويل أفغانستان إلى دولة مؤسسات، والأنكى من ذلك، أنها سلمت السلطة، فعلياً، لمن دخلت الحرب لإخراجهم من السلطة.
وفي الوقت الذي بقيت فيه الولايات المتحدة تعتمد على تعريف نفسها بصورة نمطية، مبنية على التفوّق العسكري، قياساً إلى ما تمتلكه من أساطيل بحرية وجوية، وتكنولوجيا عالية، وتمدّد عسكري على مساحات في مختلف القارات، وهو ما برح الرئيس دونالد ترامب التذكير به مرات ومرات في الأشهر الثلاثة الأخيرة، فإن العالم شهد صعوداً هادئاً للصين، من دون أن تلوّح بشكل مباشر بقوتها العسكرية، وهي دولة نووية، وتشكّل نحو 18% من الديموغرافيا العالمية، وثاني اقتصاد عالمي، وقد تمكنت من بناء شراكات واسعة، اقتصادياً وتجارياً، تكاد تكون الأوسع نطاقاً عالمياً، خصوصاً من حيث تصدير السلع.
وعلى الرغم من المكانة الكبيرة للصين في النظام والسوق الدوليين، إلا أنها آثرت عدم الانخراط في صراعات مباشرة في العالم، كما حافظت على الدوام على نبرة دبلوماسية رصينة. فيما عمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى إهانة الرئيس الأوكراني زيلينسكي، خلال زيارته البيت الأبيض، كما انتقد الدول الأوروبية والعديد من زعمائها بشكل فظ، ما يكشف الفارق بين ما تفعله أمريكا والصين في علاقاتهما الدولية.
في المحصلة، أن الولايات المتحدة، لم تفقد بعد مكانتها بوصفها القوة العسكرية الأكبر في العالم، لكنها فقدت أمراً أكثر أهمية، وهو اليقين العالمي بها، والتحول من الثقة إلى الشك، وهذا التحول هو اللحظة التي تدخل فيها القوى الإمبراطورية مرحلة جديدة من تاريخها، حيث لا تعود القوة كافية بحدّ ذاتها، وإنما تصبح هذه القوة مجال اختبار دائم، وليست حقيقة مسلّماً بها.
[email protected]
ما كان يفترض أن تكون عليه الحرب الإيرانية، أي حرب عسكرية سريعة ذات هدف سياسي محدد، وهو إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، تحوّل إلى لحظة فارقة وكاشفة لطبيعة القوة الأمريكية في مرحلتها الراهنة، فهي قوة إمبراطورية قادرة على شنّ ضربات عسكرية بالغة الدقة، لكنها عاجزة عن الحسم، ومترددة في تحمّل الكلفة، وهي حاضرة في كلّ الملفات، لكنها تفتقد تدريجياً القدرة على فرض النتائج، وهذه المفارقة تختصر المأزق البنيوي الذي تعيشه الولايات المتحدة اليوم، مأزق القوة المُرهَقة، حيث لا يكفي التفوق العسكري والتكنولوجي للحفاظ على الهيمنة في عالم يتغير بسرعة، وتتآكل فيه أدوات السيطرة التقليدية.
على مدى عقود ما بعد الحرب الباردة، قامت الهيمنة الأمريكية على فرضية القدرة على إدارة النظام الدولي، سواء عبر القوة الصلبة أو من خلال مؤسسات العولمة، إلا أن ما أظهرته الحرب الأخيرة هو انتقال واشنطن من موقع صانع النظام إلى موقع مدير الأزمات.
انخرطت الولايات المتحدة في حالة من التمدد الاستراتيجي المفرط، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن التنافس مع الصين إلى الالتزامات في شرق آسيا، ما جعلها مضطرة للتعامل مع شبكة معقدة من الصراعات المفتوحة، وأعادت الحرب الأخيرة طرح أسئلة في الداخل الأمريكي حول مسائل أساسية في استراتيجية الدفاع الأمريكية، بدءاً من مخزونات السلاح النوعي، الذي استهلك قسماً لا بأس به في الحرب ضد إيران، وصولاً إلى الأعباء الكبيرة التي تشكلها ميزانية الدفاع السنوية.
تقف الولايات المتحدة أمام مفترق طريق، تبدو فيه الخيارات المطروحة أمامها محدودة وغير متكافئة مع قوتها العسكرية، فإما أن تعاود استئناف الحرب من جديد، مع غياب اليقين بأن تكون الجولة الجديدة أفضل من حيث النتائج من سابقتها، وإما أن تقبل بتقديم تنازلات كبيرة لإيران، وهو خيار ليس أفضل حالاً بالنسبة لها من الخيار الأول، على مستوى المكانة والتأثير السياسيين في القضايا والصراعات حول العالم.
إن التفوق الأمريكي العالمي، بما فيه التفوق الاقتصادي، لم يعد تفوقاً بلا قيود، حيث تراجعت قدرة واشنطن على تحديد الاتجاهات العامة للاقتصاد الدولي أو العلاقات الدولية، كما أن رغبة الرئيس دونالد ترامب في فك الارتباط ما أمكن عن الاقتصاد العالمي، والذي ترجمه عبر إجراءات فرض الرسوم الكبيرة على الصادرات الأوروبية والصينية، يصطدم، خصوصاً في ما يتعلق بالصين، بمدى التشابك البنيوي بين الاقتصاد الأمريكي والصيني، والذي يمتد على مساحة واسعة، من سوق السلع إلى التكنولوجيا فائقة الذكاء، التحولات العالمية في السنوات القليلة الماضية، لا تقتصر على الولايات المتحدة وحدها، وإنما تمتد إلى حلفائها أيضاً، فأوروبا، التي كانت شريكاً ثابتاً في السياسات الأمريكية، بدأت تعيد حساباتها تحت ضغط الطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا، أما الصين، فتقدم نموذجاً مختلفاً، فهي قوة صاعدة تفضل إدارة التنافس بدل الانخراط في صدام مباشر، وتطرح نفسها كشريك اقتصادي لا كقوة مهيمنة عسكرياً.
إن ما تواجهه الولايات المتحدة اليوم ليس فقدان القوة، وإنما فقدان القدرة على استخدامها بفعالية، وعدم القدرة على تطابق النتائج مع الأهداف، وعدم الاعتراف بمستوى السيولة التي يتمتع بها النظام الدولي الحالي، حيث تتوزع مراكز القوة، ما يجعل من الصعوبة بمكان فرض الإرادة السياسية انطلاقاً من التفوق العسكري، الأمر الذي يتطلب استراتيجيات جديدة تسمح بالتأثير، تأخذ في الحسبان مستوى التعقيد في شبكة العلاقات الدولية.
لقد آثر الرئيس دونالد ترامب العودة إلى مفهوم الهيمنة ببعده الأحادي، الذي يعتمد مبدأ القوة في تشكيل العلاقات وفرض القواعد بين الدول، وقد رأينا التطبيق العملي لهذا المبدأ في فنزويلا، ثم تصريحه حول الاستيلاء على غرينلاند الدنماركية كضرورة للأمن القومي لبلاده، ثم الحرب ضد إيران، لكن هذه العودة تجاهلت خصوصية كل نموذج، على المستوى الجيوسياسي، مثلما تجاهلت تأثير المقومات الأخرى التي تبنى عليها الهيمنة، وهو ما تواجهه واشنطن نتائجه كعبء كبير، بين التمترس حول القوة، مع احتمال كبير باستهلاكها بلا طائل، أو الاستدارة نحو بناء نموذج مختلف للهيمنة، لكن لا تتمتع فيه بموقع القائد الأوحد.
[email protected]
في الوقت الذي يعيش فيه العالم أزمة غير مسبوقة على وقع الحرب الإيرانية التي لم تجد طريقها للحسم العسكري أو الوصول إلى اتفاق، زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بكين، مستبقاً هذه الزيارة بتصريح سياسي قال فيه «لا نحتاج إلى مساعدة الصين في الملف الإيراني»، لكن الزيارة في شكلها ومضمونها وتوقيتها تؤكد أنه لا يمكن تجاوز دور الصين في ترتيبات الأمن العالمي، بما فيها الترتيبات المرتبطة بحرية الملاحة في مضيق هرمز، والذي أصبح رهينة بيد إيران، فجوهر هذه الترتيبات يقوم على حماية الموقع الاقتصادي والتجاري للدول في المنظومة العالمية، خصوصاً الدولتين الأهم في العالم، أمريكا والصين.
في مستهل المباحثات بين الجانبين الأمريكي والصين، سأل الرئيس شي جين بينغ نظيره الأمريكي: هل نستطيع تجاوز «فخ ثوسيديدس»؟ وهذه الاستعارة المشهورة من التاريخ اليوناني، حين هدّد صعود أثينا مكانة إسبارطة، ما جعل الحرب بينهما حتمية، حاول من خلالها الرئيس الصيني أن يقول: إن صعود بلاده القوي على المسرح العالمي، ينبغي ألا يدفع بالضرورة نحو صدام حتمي بين بكين وواشنطن، وأنه ينبغي العمل على عدم الوقوع في هذه الفخ المدمر لكلا القوتين.
تدرك كل من واشنطن وبكين أنه لا توجد مقومات فعلية لخطاب فك الارتباط بينهما، فالعلاقة بين واشنطن وبكين هي من أكثر العلاقات تشابكاً وتعقيداً في التاريخ، إذ أنه بمجرد ترك عالم الدعاية الأيديولوجية والدخول في عالم الأرقام، يظهر جلياً حجم التشابك بين اقتصادي هاتين الإمبراطوريتين، فمتوسط حجم التبادل التجاري بينهما في السنوات الخمس السابقة، بلغ نحو نصف تريليون دولار، في كل عام، إذ تستورد الأسواق الأمريكية سنوياً نحو 13% من إجمالي السلع المستوردة من الصين.
هذا التشابك التجاري ما هو إلا أحد أوجه العلاقة المعقدة بين أكبر اقتصادين في العالم، ففي قطاع التكنولوجيا، يتنافس الاقتصادان على الوصول إلى المعادن النادرة، وبراءات الاختراع، واستقطاب المستثمرين، والأسواق، لكن على الرغم من حالة التنافس الشديدة بينهما، إلا أن هذا التنافس بحد ذاته ليس قيمة سلبية بالمطلق، بل عامل أساسي في تطوير قطاع التكنولوجيا فائقة الذكاء، لأنه يدفع نحو تسريعها من جهة، وتحولها إلى أداة هيمنة من جهة ثانية، خصوصاً مع الاعتماد العالمي المتسارع عليها، وبالتالي، فإن الشركات الأمريكية والصينية المتنافسة في هذا القطاع، تستفيد بشكل مشترك منه، حيث يغذي التنافس الطلب في الأسواق على منتجات هذه التكنولوجيا، سواءً أكانت أمريكية أو صينية.
بطبيعة الحال، منذ الولاية الأولى للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، أصبحت الصين تشكل الخطر الأول على الأمن القومي الأمريكي، وهو ما يفرض على واشنطن بلورة استراتيجية متكاملة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً للحدّ من هذا التهديد، وتخفيض مخاطره، لكن ليس بالضرورة بمكان أن تفهم من هذه الاستراتيجية على أنها سعي نحو فكّ ارتباط مع بكين.
إن الإقرار باستحالة فكّ الارتباط، يؤكد أن العلاقة بين واشنطن وبكين باتت محكومة بمنطق إدارة الصراع لا حسمه، فالإدارتان تدركان أن الانتقال إلى مواجهة مفتوحة له تكلفة كارثية على الاقتصاد والاستقرار العالميين، ولذلك، فإن ما نشهده اليوم هو نمط جديد من التنافس المركب، الذي تتجاور فيه أدوات الردع العسكري مع أدوات الاعتماد الاقتصادي المتبادل.
في هذا السياق، تبرز أهمية الممرات البحرية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، وبحر الصين الجنوبي، باعتبارها نقاط تماس غير مباشرة بين القوتين، فإذا كانت إيران تستخدم موقعها الجغرافي كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة، فإن الصين تنظر إلى هذه المنطقة بوصفها شرياناً حيوياً لتدفق الطاقة، ما يجعلها معنية بشكل مباشر بأي تصعيد فيها، حتى وإن لم تكن طرفاً عسكرياً فيه، وهذا ما يفسر التناقض الظاهري بين الخطاب الأمريكي الذي يقلل من دور بكين، والسلوك العملي الذي يسعى إلى إشراكها في إدارة الأزمات.
إن السؤال الذي طرحه شي جين بينغ حول «فخ ثوسيديدس» لا يزال مفتوحاً، ليس فقط على مستوى النوايا السياسية، بل على مستوى قدرة النظام الدولي ذاته على استيعاب صعود قوة كبرى جديدة من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لئلا يتحول «فخ ثوسيديدس» إلى كارثة عليهما وعلى العالم أجمع.
[email protected]
وضعت الحرب الإيرانية منطقتنا ونظامنا الإقليمي أمام مشهد غير مسبوق في تاريخ المنطقة، والعالم، وكشفت عمق وحِدّة المشكلات والأزمات التي كانت موجودة، لكنها كانت مضبوطة وفق تفاهمات الحدّ الأدنى في كثير من الأحيان، وقد كشفت أيضاً أن فكرة النظام الإقليمي نفسها، وصلت إلى مأزق كبير، هذه الفكرة التي تنطوي على مجموعة العلاقات بين الدول، بما فيها المعاهدات والاتفاقات، وآليات تحقيق المصالح، الاقتصادية والتجارية، وسبل التعاون الأمني بين المؤسسات المعنية، وهذه كلها اليوم في أسوأ حال لها عبر تاريخ المنطقة، خصوصاً أن المعنيين بالمشهد الحالي هم معظم دول العالم، التي تأثرت بهذه الحرب، بعد ارتفاع أسعار النفط، وإغلاق مضيق هرمز، وحالة عدم اليقين بما ستؤول إليه الأوضاع، في ضوء غياب إجابة واضحة عن سؤال عودة الحرب مرة أخرى، في حال بقي الوصول إلى اتفاق بين واشنطن وطهران متعذراً.
الإشكالية الكبرى التي تواجه الجميع اليوم، هي تحديد المصالح الممكنة، وليس المصالح المرغوب فيها، وإذا ذهبنا خطوة أبعد، يمكن القول إن هذه المشكلة تطال تعريف حدود القوة لدى كل دولة من الدول الإقليمية المنخرطة في هذا الصراع، بشكل مباشر أو غير مباشر، خصوصاً إيران وإسرائيل، المعنيتين بقراءة كلّ منهما لحدود قوتها، وممكنات تحقق هذه القوة بالفعل، ومدى قبول الدول الأخرى بوجود معادلات قوة غير متناسبة مع مصالح هذه الدول.
في العقد ونصف العقد الأخير، سعت كل من تركيا وإيران وإسرائيل، إلى تحويل نفسها إلى مغناطيس، يريد جذب أكبر قدر ممكن من القوى الأخرى، وكل واحدة من هذه الدول الثلاث استخدمت ما لديها من إمكانات، وأدوات، وأيديولوجيا، ووضعت خططها موضع التنفيذ، إذ إن كل واحدة منها أرادت أن تسبق الأخرى لتضع يدها على أكبر قدر ممكن من الجغرافيا والموارد، والهيمنة على أوسع قدر ممكن من القرار، وفي الأثناء كان النظام الإقليمي، برمّته، يذهب سريعاً نحو انهيار كبير في تعريف العلاقات بين الدول، وتناقص في قدرة الدبلوماسية على إيجاد حلول عقلانية قابلة للاستدامة.
من جهتها، قامت إسرائيل، وعلى خطوات، بإضعاف السلطة الفلسطينية الشرعية، وكانت مرتاحة إلى الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني الذي يضع الكرة في ملعب الفلسطينيين أنفسهم، ويظهرهم كفرق متخاصمة، سياسياً وأيديولوجياً، وعلى الرغم من مسؤولية هذا السلوك الإسرائيلي إلى حد بعيد في الوصول إلى «طوفان الأقصى»، إلا أن إسرائيل وجدت في هذا «الطوفان» فرصة مناسبة لتدمير فرص أيّ حل للقضية الفلسطينية، بعد أن دمّرت البنى التحتية والخدمية والصحية، في القطاع، وأودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، وحوّلت غزة إلى قطاع من الأنقاض والبؤس الإنساني.
أما تركيا وإيران، فأسرعتا إلى الاستفادة من تداعيات ما سمي «الربيع العربي» في ساحات عدّة (العراق، ليبيا، اليمن، لبنان، سوريا، فلسطين)، بالاعتماد على قوى فصائلية غير نظامية، أضيف الكثير منها إلى ما كان موجود أصلاً، وقد أصبحت جميعها -بدرجات متفاوتة - جزءاً فاعلاً من المشهد العسكري والسياسي في الإقليم، على حساب تراجع الدول الوطنية التي كانت قائمة في هذه البلدان، الأمر الذي وضع الجميع أمام معادلة جغرافيا ممتدة ومفتوحة أمام قوى تعمل بالوكالة، على حساب الدولة، والمؤسسة، والنظام، والجيش.
في هذا السياق، لم يعد الحديث عن «نظام إقليمي» بوصفه بنية مستقرة قابلة للوصف الكلاسيكي كافياً لفهم ما يجري، لأن عناصر هذا النظام نفسها باتت موضع إعادة تشكيل مستمرة، فالعلاقات بين الدول لم تعد تُدار وفق قواعد متفق عليها، ولو ضمنياً، بل وفق توازنات متحركة تتغير بتغير الوقائع الميدانية، وبقدرة كل طرف على فرض أمر واقع جديد، أو تعطيله، كما أن مفهوم الردع الذي حكم الإقليم لعقود لم يعُد يعمل بالمنطق نفسه، إذ لم يعد الهدف منع الحرب، بل إدارة احتمالاتها، وتوزيعها على أكثر من ساحة، بحيث لا تنفجر في مركز واحد بشكل حاسم، بل تبقى موزعة على أطراف متعددة.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال عن «النظام الإقليمي» نفسه غير محسوم، فهل لا يزال هذاالنظام قائماً بوصفه بنية يمكن تحليلها، أم أنه تحوّل إلى حالة حركة دائمة لا تستقر على شكل محدّد؟ وهل يمكن الحديث عن قواعد تحكم هذا النظام، أم أن ما يوجد هو فقط توازنات مؤقتة بين قوى غير متكافئة، تتغير باستمرار وفق منطق القوة لا منطق القاعدة؟.
وربما لا يكون السؤال الأهم الآن هو ما إذا كان النظام الإقليمي قد انهار، أو لا يزال قائماً، بل ما إذا كانت المنطقة نفسها لا تزال قابلة لأن تُفهم عبر فكرة النظام أصلاً، أم أن ما نشهده هو انتقال بطيء نحو واقع لا ينتج نظاماً بقدر ما ينتج سلسلة متواصلة من التحولات التي لن تستقر في المدى المنظور على شكل نهائي؟
[email protected]
رحّبت معظم دول العالم بإعلان الهدنة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة ثانية، على أمل أن يؤدي التفاوض المباشر بين أطراف الحرب إلى اتفاق ينهي الحرب بشكل نهائي، بعد أن أرخت الحرب بظلال كثيفة على العلاقات الدولية، والصناعات، والأسواق، مع ارتفاع أسعار النفط إلى مستوى غير مسبوق منذ عقود، وغياب اليقين حول حرية الملاحة المستقبلية في مضيق هرمز، لكن جولة التفاوض التي عُقدت في إسلام آباد انتهت إلى الفشل، وذهبت معها الآمال القصيرة التي تعلّقت عليها.
المشكلة العميقة في التفاوض بين أمريكا وإيران، وربما مطلق أيّ تفاوض سياسي، أن التفاوض ذاته يمتلك معاني مختلفة بين الأطراف المعنية، خصوصاً أن امتحان رغبة هذه الأطراف في إنهاء الصراع أمر لا يمكن الوثوق به، فما يدفع الأطراف إلى التفاوض ليس دائماً رغبتها الأكيدة في إنهاء الصراع، وإنما في الكثير من الأحيان محاولتها معرفة مدى حاجة الخصم للوصول إلى اتفاق ينهي الصراع، والثمن المستعد لدفعه، وقدرته الفعلية على الالتزام به، في حال وافق عليه.
يلعب في التفاوض أمر لا يمكن تجاوزه، وهو ذاكرة العلاقة مع الخصم، خصوصاً في ما يتعلق باتفاقات سابقة، ففي الحالة الأمريكية الإيرانية، كان بين الطرفين اتفاق حول الملف النووي، أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، لكن الرئيس ترامب قام في ولايته الأولى بالانسحاب من الاتفاق، وهو في ولايته الثانية، وبعد جولة ثانية من الحرب دامت لأكثر من شهر، يريد الوصول إلى اتفاق.
وتعتقد الإدارة الأمريكية الحالية أن طهران فهمت الاتفاق الذي أبرمته معها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما على أنه اعتراف أمريكي بهيمنتها على ساحات عدة في الشرق الأوسط، وضوء أخضر لتوسعة نفوذها، وبالتالي، فإن واشنطن تريد لأي اتفاق مع طهران أن يضمن انكفاء تدريجياً لإيران داخل حدودها، أي أن يكون لهذا الاتفاق قدرة على تحجيم النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وهذا مطلب مشترك أمريكي إسرائيلي، وهما الطرفان اللذان يخوضان الحرب كحلفاء.
لم تحقّق واشنطن الهدف الذي أعلنت عنه في بداية الحرب، وهو إنهاء النظام الإيراني، فاغتيال عدد كبير من كبار القادة العسكريين والسياسيين، وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، لم يفتح المجال أمام تدفق الجماهير إلى الساحات والمطالبة بإسقاط النظام.
الطرفان الأمريكي والإيراني يدركان تماماً أن التفاوض لا يعمل في فراغ، وإنما يتحرك ضمن إطار تحدّده مسبقاً موازين القوة، وطالما أن موازين القوة لم تحدث فيها اختلالات كبيرة، فإن التفاوض يزداد صعوبة، ويصعب التعامل معه بوصفه إملاء شروط سياسية من قبل طرف على آخر.
لكن أيضاً، المفاوضات بين أمريكا وإيران ليست اختباراً لحدود قوة الطرفين فقط، أو اختبار مستوى الثقة بينهما، لكنها في الأصل مفاوضات في قلب النظام الدولي الذي يعاني، منذ أكثر من ثلاثة عقود، تراكم الخلل، وهشاشة التفاهمات.
إن التعقيدات العديدة التي انطوت عليها الحرب لا تجعل من فشل التفاوض مفاجأة، بل تجعل من توقع نجاحه أمراً غير واقعي، فهذه الجولة التفاوضية ليست حدثاً منفصلاً عن تقويم سياسي مزدحم بالمشكلات البنيوية من جهة، ومتعدد الأطراف من جهة أخرى. لذلك بدا جلياً أن الطرفين المفاوضين لم يدخلا إلى التفاوض للوصول إلى اتفاق، بل بوصفه امتداداً لمسار اختبار القوة المتبادل بينهما.
لم يشهد النظام الدولي في القرن الحالي حرباً معقدة وكونية مثل هذه الحرب، وهي في نهاية المطاف أحد أشدّ تعبيرات أزمته البنيوية، وأحد أبرز أشكالها العسكرية المباشرة. ولئن فشلت الحرب في تحقيق انتصار أمريكي حاسم، أو الوصول إلى تسوية، فذلك لأن كل القوى المنخرطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، تعلم بأن ما سيترتب عن هذه الحرب، في الميدان أو على طاولة التفاوض، سيرسم ملامح نظام دولي جديد. لذلك، ربما يفضّل الجميع أن يتعايش مع منطق إدارة الصراع لا حلّه.
[email protected]
بات واضحاً أن الأطراف المنخرطة في الحرب الإيرانية، أمريكا وإسرائيل وإيران، تبحث عن نهاية لها، تسمح لكل طرف أن يزعم النصر، بغضّ النظر عن الكُلف الباهظة التي دفعها، وبغضّ النظر عمّا حققه من أهداف.
هنا تكمن المعضلة، أو المأزق الاستراتيجي، أي في ما سيترتب على الحرب من جهة، وما ستكشفه هذه الحرب من جهة ثانية، فهذه الحرب لا تقلّ في معناها عن كونها حرباً عالمية، حتى وإن اقتصرت بشكل مباشر على ثلاثة أطراف رئيسية، وامتدت بفعل الاعتداءات الإيرانية إلى دول الخليج.
ما يحدّد الفارق بين مفهوم الأزمة ومفهوم المأزق أن مفهوم الأزمة حاضر دائماً، فالأزمات من طبيعة العلاقات الدولية، ويمكن التعامل معها، وأحياناً اعتبارها غير موجودة، في إطار علاقات براغماتية لا تريد دفع الأزمة إلى الانفجار، وتأمين التعاون حتى في ظل الخلافات والاختلافات بين الدول والأنظمة السياسية، لكن مفهوم المأزق يشير بدقة إلى وصول الأزمة إلى مرحلة اللاعودة، إلى لحظة فاصلة لا يعود فيها بالإمكان تجاهل عمق الأزمات أو التكيّف معها، وبهذا المعنى المحدّد فإن الحرب التي نعيشها ويعيشها العالم منذ اليوم الأخير في فبراير/ شباط الماضي، هي التعبير الأوضح عن مأزق استراتيجي شامل، يتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى العالم ونظامه الدولي برمّته.
بطبيعة الحال، إن السؤال الذي يشغل بال صناع القرار الكبار في العالم ومنطقتنا الآن ينقسم إلى شقين، الأول مرتبط بفهم وتحليل السياقات التي قادت إلى الحرب، والثاني، وهو الأهم، كيف نخرج من هذا المأزق؟ غير أن الإشكالية هنا لا تكمن فقط في صعوبة الإجابة نفسها عن هذا السؤال المزدوج، وإنما في السياقات التي قادت إلى هذه الحرب، وفي معرفة جميع الأطراف أنها كانت حتمية الوقوع، وفي تجاهل معالجة أزمات عميقة في النظام الدولي العام، وفي النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
إن مراجعة سريعة ومكثفة لتصاعد حدّة الأزمات وطرق معالجتها السابقة تكشف عن تراكم طويل من الاختلالات البنيوية، وعن تآكل متزايد في قواعد الردع التقليدية، وتراجع فاعلية الدبلوماسية، وأحياناً وضع الدبلوماسية نفسها جانباً، أو أقله اعتبارها عملاً لتمرير الوقت إلى حين تغيّر موازين القوة، من دون إدراك للمخاطر العميقة الناجمة عن هذا النهج في السياسة وإدارة الأزمات، واحتمالية انفلات تقرير مصير الصراع من بين أيدي اللاعبين الكبار أنفسهم إلى مديات غير متوقعة.
لكن، هل فعلاً يمكن الخروج من هذا المأزق الاستراتيجي متعدد الطبقات؟
إن مثل هذا الافتراض هو بمثابة حدوث معجزة سياسية كبرى، لا تبدو مقومات حدوثها ممكنة، فأولى بديهيات حدوث هذه المعجزة السياسية أن يكون كل طرف قادراً على فكّ الارتباط بالاستراتيجية السياسية التي تبنّاها لخدمة مصالحه، والإقرار بأن الاستراتيجية التي اعتمدها لم تكن فعّالة، بل وإنها كانت خاطئة من الأساس، أو أقله كانت وحيدة الجانب، ولم تأخذ بالحسبان عوامل كثيرة أساسية وحساسة، وأهملت حسابات لا يفترض بعقل استراتيجي تجاهلها.
لا يتعلق المأزق فقط بالفشل في تحقيق الأهداف من الحرب، بل أيضاً بتناقض الوسائل مع النتائج، فالأدوات التي استُخدمت لإدارة الصراع، من الضغوط والعقوبات إلى الضربات العسكرية، ومن الحروب بالوكالة إلى الاشتباك المباشر، كلها لم تنتج حسماً، بل عمّقت حالة التعقيد، ووسّعت نطاق المخاطر على الجميع.
إن ما بعد الحرب ليس بالضرورة خروجاً من المأزق، عبر الوصول إلى حلّ أو تسويات دائمة، أو بناء منظومة أمن واستقرار عقلانية على المستويين الدولي والإقليمي، وإنما انتقال الصراع من طور إلى طور آخر، أكثر تركيباً وتعقيداً، ومن المؤكد أنه سيكون طوراً حافلاً بانعدام اليقين بكل القضايا الاستراتيجية، مثل أمن الطاقة، وحدود السيادة، وطبيعة النظام الإقليمي وآليات إدارته، وإعادة ترتيب المواقع والنفوذ فيه، لذلك سيكون جوهر المأزق الاستراتيجي كامناً في قدرة اللاعبين على إعادة تعريف المصالح والأدوار، والحدود الفاصلة بين الإرادة وبين ما يمكن أن تحقّقه، وبين ضرورات الاستقطاب وبين أعبائه وكُلفه الباهظة.
[email protected]