من هم وراء الشاشة أسياد صنع الحدث . سواء وقع الحدث في الواقع أم لم يقع، فإن لحظة وقوعه الحقيقية، في زمننا هذا، هي لحظة بثه على الشاشة، لحظة توظيفه في الأغراض السياسية وغير السياسية عبر هذه الشاشة .
وحين نقول الشاشة، لا نقصر القول هنا على شاشة التلفاز وحدها، التي لم تتراجع أهميتها بل تزداد وتتضاعف، وإنما نعني كذلك شاشة الحاسوب التي تنقل ما في مواضع شبكة الانترنت من معلومات وأفكار .
ولا مبالغة في القول إن الحدث يبدأ لحظة بثه على الشاشة، لا لحظة وقوعه في الواقع، بدليل أن العالم يشهد أحداثاً كثيرة، بعضها مهم وخطير وفظيع، لكن لأنه لا توجد لأحد مصلحة في تعميمها فإن أحداً لا يعلم بأمرها، كأنها لم تقع .
من يملك الصورة يملك البلاد، هكذا يقول ريجيس دوبريه، وبقليلٍ من التحوير فإن هذه المقولة يمكن أن تُعمم فيصبح سيد الصورة لا سيد البلاد وحدها، وإنما سيد العالم . في عصر الصورة تؤول السيادة إلى الأفول، ويصبح كل شيء في العالم كونياً .
الصورة المنتجة محلياً حين تدخل حيز الاتصال الكوني تصبح كونية، وحين تكون هذه صورة مصنوعة من قبل من يمسك بمفاتيح التحكم في هذا الحيز، فإنها قادرة على اختراق كل السدود والحواجز التي كانت حتى حين ليس ببعيد موانع حصينة .
الصورة أو الصور، التي كان يمكن أن تكون محايدة أو غير ذات أهمية، تكتسب دلالاتها القوية عبر السطوة السحرية للشاشة الموجودة في كل بيت . والشاشة ليست شيطاناً يحمل الشر علينا أن نخشاه، هذا إذا أدركنا أننا من دونها لم نعد قادرين على العيش وفق النسق الذي ألفناه .
الشاشة هي صورة الديكتاتور الحديث، الديكتاتور ما بعد الحداثي، إن شئنا مزيداً من الدقة، وهو على خلاف الديكتاتور التقليدي الذي تكرست صورته منذ الإمبراطوريات القديمة والأنظمة التوتاليارية المعاصرة لا يؤدي وظائفه بالكرباج، ولا حتى بقفازات حريرية، وإنما بأنامل ناعمة، وبابتسامات رقيقة .
لكنه في المحصلة النهائية يحقق ما كان الديكتاتور التقليدي يفعله: فرض كلمته بوصفها الكلمة الفصل، والسبب في منتهى البساطة: الشاشة جماد، محايدة، ولكن من يقفون وراءها هم أنفسهم من كانوا يقفون عبر كل العصور خلف مواقع القوة، أو لنقل يمسكون بهذه المواقع . والشاشة اليوم هي موقع القوة الحاسم.
drhmadan@hotmail .com