أظهرت نتائج الاستطلاع الذي أُجري في أوروبا العام الماضي حول الدولة الأكثر تهديداً للأمن والسلام العالميّ أن نحو 60% يرون أن إسرائيل تمثل أكبر خطر على سلام وأمن العالم، هكذا كان رأي الشعوب، بينما الساسة كان لهم رأي آخر، حيث قام بعضهم بالاعتذار لإسرائيل عما اقترفته شعوبهم الحرة في هذا الاستطلاع . وقد مارست إسرائيل هذه العربدة خلال المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونيسكو، إذ تم التصويت لصالح انضمام فلسطين كدولة كاملة العضوية . وجاءت نتيجة التصويت كاسحة، إذ أيّد انضمام فلسطين 107 أعضاء وعارضه 14 عضواً أولهم الولايات المتحدة التي صوتت ضد انضمام فلسطين إلى منظمة اليونيسكو، بل قررت وقف مساهمتها المالية، وقامت بممارسة الضغوط للحيلولة دون ذلك، وقد تغيب عن الجلسة 12 بلداً عند التصويت بسبب الضغوط الأمريكية والإسرائيلية .
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة ما سر هذا الجبروت؟ ولماذا يسكت العالم عن هذا الظلم؟ إن الإسرائيليين ومن يناصرونهم يزعمون أن إسرائيل دولة ديمقراطية ، متناسين أنها دولة احتلال لا تكتفي بإرهاب القابعين تحت الاحتلال، بل تتجاوز لتشمل باحتلالها عقول المفكرين والسياسيين، وتمتد لتسيطر على مؤسسات العالم الثقافية والسياسية والإعلامية . ورغم مساندة العديد من دول العالم للمطالب الفلسطينية المشروعة، قالت إيرينا بوكوفا مديرة عام اليونيسكو إنها تستشعر رهبة اللحظة التاريخية، معتبرة القرار ثمرة جهود شعب يريد الانضمام إلى الأسرة الدولية لتقاسم قيمها، وردت إسرائيل بتهديد العالم وبعصبية بالغة استنكرت قرار دول العالم، وهددت بالامتناع عن التعاون مع اليونيسكو في المستقبل . ويأتي هذا الموقف متزامناً مع إعلان الولايات المتحدة أنها ستستخدم حق الفيتو ضد إعلان الدولة الفلسطينية، ثم تلا هذا الموقف قرار الكونغرس الأمريكي بوقف تحويل 200 مليون دولار كمساعدات للدولة الفلسطينية للضغط على القيادة الفلسطينية لسحب طلب الانضمام الذي يحرج الولايات المتحدة باعتبارها الراعي الرئيسي لمباحثات السلام بين الطرفين .
إن الصلف الإسرائيلي يندرج تحت تعريف الجمعية العامة للأمم للعدوان الذي عرفته باستخدام القوة المسلحة من جانب دولة ضد سلامة ووحدة الأراضي الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدول أخرى، أو بأي طريقة لا تتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة . وهذا الذي مارسته وتمارسه الدولة الأكثر خطراً على الأمن والسلم العالميين يستلزم اعترافاً عالمياً بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، والدفاع عن أرضه وعرضه المستباح، وحق الدفاع عن النفس وتقرير المصير الذي أقرته وفرضته أعراف وقوانين الأمم المتحضرة، لكن رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وكافة الساسة الإسرائيليين لا يعرفون للفلسطينيين حقوقاً سوى حق الذل والإذعان للأوامر والشروط المجحفة التي تمتهن الكرامة، وتستبيح الأرض والعرض، لذا حاولوا -ومعهم حلفاؤهم- تشويه الحقائق، وعرقلة الخطوة الأساسية التي من شأنها الاعتراف بالحق الفلسطيني في إعلان الدولة، وقيام سلطة ذات سيادة على أرضها، وخلطوا الباطل بأصوات الحق، زاعمين أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية من شأنه عرقلة جهود السلام، ولنا أن نتساءل عن أي سلامٍ يتحدثون؟ هل عن سلام الإذعان والاستسلام للإرادة الصهيونية؟
لقد بذل القادة الفلسطينيون الكثير من الجهد من أجل السلام المزعوم عبر عقود من المفاوضات تنازلوا فيها عن جزء كبير من أرضهم، ورضي بعضهم بأرض منزوعة السيادة محصورة براً وبحراً بالقرصنة الإسرائيلية، والهيمنة الأمريكية، والصمت الأمميّ الرهيب عما يجري لهذا الشعب الأعزل الذي قدم ملايين المشردين، وآلاف الشهداء، وعشرات الآلاف من الأسرى رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخاً . إنا لنسأل ذوي الضمائر الحيّة ماذا يجب على هذا الشعب أن يقدم كي يحيا على أرضه بكرامة وشرف؟ وكيف ينال هذا الشعب المسالم حقوقه كاملة؟
إن التعنت الإسرائيلي لا ينظر إلى المقاومة الفلسطينية على أنها نمط من أنماط الدفاع عن الحقوق، وإقامة الدول المستقلة وفق قرارات هيئة الأمم المتحدة التي تمحور مفهوم المقاومة في قانونها حول الحديث عن احتلال الأرض، وحق الدفاع عن النفس وتقرير المصير، وهذا الحق الأدنى من مشروعية حفظ الحقوق، والمنهج الأعدل للوصول إلى الغايات الكبرى وهي تحرير الأرض . ولكن نتنياهو اعتبر مصطلح إسرائيل الكبرى التطبيق العملي لما يعرف بالتوسعية الصهيونية التي أرست مخططها منذ البداية لتحقيق هذا الهدف، ولذلك فإن الكيان الإسرائيلي لم يعلن حتى اليوم عن حدوده الثابتة . ويطلق الصهاينة على إسرائيل الكبرى اسم أرض إسرائيل التي تتشكل، كما يزعمون، من فلسطين -بحدودها أيام الانتداب البريطاني- وأجزاء من الدول العربية الأخرى في لبنان وسوريا والأردن والعراق ومصر، ويستندون في ذلك إلى ما هو وارد في سفر التثنية (في الإصحاح 34) . ومن يتابع خطابات القادة الصهاينة، ومنهم نتنياهو، يلحظ الإخلاص الشديد للمبادئ الصهيونية، وسيراً على نهج ناتان برنباوم زعيم اليهود في النمسا، وأول من ابتدع مصطلح الصهيونية عام ،1893 إذ يقولون: (إن جبل صهيون، الواقع في الجنوب من مدينة القدس، قد شيّد اليبوسيون على قمته حصناً منيعاً استولى عليه داوود بعد أن آل إليه الملك من شاؤول، وقد أقام فيه وسماه مدينة داوود)، ويعتبر اليهود جبل صهيون مكاناً مقدّساً، ويزعمون أنّ الرب يسكن في ذلك الجبل، حيث ورد في المزمور التاسع من مزامير داوود رنموا للرب الساكن في صهيون . ويعتقد الصهاينة أن مسيحهم المنتظر سيأتي في آخر الزمان ليحرر اليهود، ويعود بهم إلى أرض الميعاد، حيث سيقيم دولته الثيوقراطية الدينية، وسيحكم الصهاينة العالم من جبل صهيون . ولا خلاف على أن قادة الصهيونية نجحوا في جعل الصهيونية الإطار الوحيد لليهودية ودليلها، ولذلك لا عجب أن يرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي الاعتراف بالدولة الفلسطينية، واعتبارها خارج التاريخ أو الأرض، وهي مفارقة حادة الهدف منها استزراع نوافذ سياسية متجذرة في الشعارات الأيديولوجية المتشعبة بالبلاغيات المتكررة في السياق الديني . .
تاريخ هذا الكيان المغتصب مترع بالدماء والوحشية قديماً وحديثاً، إنه يتبع سياسة ممنهجة لإبادة الشعب الفلسطيني، وليس اغتصاب أرضه فقط، وجرائمهم مازالت تفوح بالدماء . وخير شاهد على هذا خطاب نتنياهو الذي تفوح منه نغمة التعصب وروائح الكبريت والبارود وومضات الذرة المنشطرة والصواريخ المدمرة، وما حرب غزة منا ببعيدة، ولا يزال الحصار الخانق جارياً، فهل يكون قبول عضوية فلسطين في منظمة اليونيسكو إقراراً ضمنياً بحق هذا الشعب في الحياة والوجود وسط شعوب العالم الحر؟ وهل يعتبر هذا القبول إرهاصاً لقبول عضوية فلسطين الكاملة في الجمعية العامة للأمم المتحدة رغم أنف الكارهين؟
* كاتب من الإمارات