كل شيء كان في عام 2016 مختلفاً في تركيا، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
كان عاماً حافلاً بالمتغيرات الداخلية السياسية والأمنية. فبعدما كان حزب العدالة والتنمية قد فاز في الانتخابات النيابية في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 وعاد منفرداً إلى السلطة، حصلت المفاجأة في مطلع أيار/مايو 2016 عندما تقدم رئيس الحكومة والحزب أحمد داود أوغلو باستقالته ليعين بدلاً منه بن علي يلديريم. وتعددت الروايات حول أسباب الاستقالة التي أرغمه عليها رئيس الجمهورية، رجب طيب أردوغان. من قائل إنها بهدف تسهيل المرور إلى نظام رئاسي إلى ربطها بتغييرات في السياسة الخارجية.
ومن ثم كان الحدث الأبرز في عام 2016 وهو انقلاب 15 تموز/يوليو الذي فشل في ساعاته الأولى وكان أول انقلاب عسكري في عهد حزب العدالة والتنمية.
وقد كان الانقلاب مناسبة لإعادة هندسة المؤسسة العسكرية وكل مؤسسات الدولة من خلال حملة تصفية شاملة لجماعة فتح الله غولن المتهم بالوقوف وراء الانقلاب. لكن حملة التطهير التي شملت عشرات آلاف الأشخاص لم تقتصر على مؤيدي غولن وطالت كل المعارضين للرئيس التركي.
بل اندفع الرئيس التركي في حملة لتغيير النظام من برلماني إلى رئاسي في ظل التأييد المفاجئ وغير المعروف السبب لحزب الحركة القومية له في مشروع الدستور الجديد الذي يجعل من الرئيس جامعاً لكل الصلاحيات. وفي حال مر المشروع في البرلمان فسيعرض على استفتاء شعبي في الربيع المقبل ليقرر المواطنون مصيره النهائي.
لكن الحركة السياسية الداخلية تأثرت كثيراً بما تعرضت له المسألة الكردية من تطورات. حيث إن الحرب القائمة بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني استمرت مفتوحة وعنيفة في كل المدن والمناطق الكردية في تركيا وسقط خلالها المئات والآلاف من القتلى من الطرفين مع دمار كبير في العديد من الأحياء في العديد من المدن.
غير أن الوجه السياسي من هذه المعركة كان الأبرز وفي خطوة مفاجئة غير مسبوقة ألقت الحكومة القبض على زعماء حزب الشعوب الديمقراطي الكردي وهو الحزب الثالث في البرلمان وله 59 نائباً. كما اعتقل عدد كبير من رؤساء البلديات الكردية الأساسية في مدن الجنوب الكردي بحيث وجدت الحركة الكردية نفسها بلا رأس سياسي.
كما أن التفجيرات التي شهدتها إسطنبول وأنقرة وملاطيا كانت على صلة بالمسألة الكردية بشكل أو بآخر. أما على صعيد السياسة الخارجية فإنها كانت محل تطورات مثيرة بدورها. وهي بدأت باستدارات تركية في أكثر من اتجاه. أولها التطبيع مع «إسرائيل» في 26 حزيران/يونيو ومن بعدها بيوم واحد اتفاق التطبيع المفاجئ مع روسيا، والذي أنهى سبعة أشهر عجاف من قطيعة ضربت الاقتصاد التركي.
ومن بعد ذلك كانت الهزة التي ضربت العلاقات التركية - الأمريكية بعدما اتهمت أنقرة واشنطن بأنها ضالعة في الانقلاب العسكري الفاشل. وتلا ذلك ازدياد الهوة بين أنقرة والاتحاد الأوروبي بسبب قضية اللاجئين والانقلاب العسكري وحقوق الإنسان في تركيا.
وما برز أكثر من غيره الدور التركي المتجدد في العراق وسوريا. فقد رفعت تركيا شعار عقيدة عسكرية جديدة وهي أن لها الحق في التدخل في الأراضي التي كان يضمها الميثاق الملي عام 1920 أي في شمال العراق وسوريا وتلويح أردوغان بإعادة النظر في معاهدة لوزان سواء مع سوريا والعراق أو مع اليونان!.
وعلى هذا كانت تركيا تصر على أن تشارك قوات لها في معسكر بعشيقة بمعركة تحرير الموصل والقول إن الموصل كانت لتركيا.
وفي سوريا نجحت تركيا بسبب تفاهم مع روسيا في دخول الأراضي السورية في 24 آب/ أغسطس 2016 واحتلال شريط حدودي يمتد بين جرابلس وإعزاز وصولاً جنوباً إلى مشارف مدينة الباب. وكان الهدف التركي الأساسي منع الأكراد السوريين المدعومين من أمريكا وصل «كانتون» عين العرب/كوباني ب«كانتون» عفرين.
وجاء هذا التطور ليقرب بين روسيا وتركيا وإيران ويتجسد بمؤتمر ثلاثي عقد نهاية العام في روسيا لحل الأزمة السورية خصوصاً بعد سقوط مدينة حلب بيد الجيش السوري وحلفائه الروس والإيرانيين.
انطوى العام 2016 على إحدى أكثر التطورات أهمية ودراماتيكية. وفي انتظار ما ستؤول إليه تطورات العام 2017 تبقى تركيا مسرحاً لمفاجآت داخلية وخارجية لا يمكن التوقع بشأنها.
العام 2016 ..إعادة هندسة تركيا
31 ديسمبر 2016 01:52 صباحًا
|
آخر تحديث:
31 ديسمبر 01:52 2016
شارك
محمد نورالدين