اللغة ليست مجرد حروف وكلمات وتراكيب ونحو وصرف وحركات، اللغة نفس وروح وهوية وثقافة وتراث وتاريخ وأدب وفنون ومعتقد، اللغة أسلوب تفكير وأشكال سلوك وأداة تواصل، تبوح بمكنونات النفس والروح والعقل، تعكس الملامح العريقة للإنسان وتسمو به إلى المعالي والشموخ، وتميزه عن أخيه الإنسان، فإذا انتقل فرد ما من لغته الأم إلى لغة أخرى انتقالاً حاداً أصيب باغتراب حاد، ثم يبدأ بالتعرض لتغيرات في السلوك وطريقة التعبير والثقافة وربما يطال المعتقد، فأن تقرأ آية قرآنية باللغة العربية يختلف عن قراءتها بلغة أخرى، أو أن تقرأ بيت شعر للمتنبي أو أبي تمام أو أحمد شوقي أو سامي البارودي أو محمود درويش باللغة العربية ستجده أبلغ مما لو تمت ترجمته إلى لغة أخرى، ناهيك عن سرد قصص أو روايات أو تعبير عن مواقف وسياسات مجتمعية أو التعبير عن عرف أو تقليد محدد. اللغة باختصار هي الدم الذي يسري في العروق، يؤثر في نبض القلب وحركة الأطراف والأوامر التي يعطيها الدماغ لأعضاء الجسد، حتى إن الفرحة والحزن باللغة الأم أكثر صدقا وإحساساً وتعبيراً. مناسبة هذا الكلام قرار مجلس الوزراء في دولتنا بالتأكيد على أن تكون اللغة العربية هي اللغة الرسمية في المخاطبات، ويفسر بعض القانونيين أن قرار مجلس الوزراء يشمل الدوائر المحلية، لأن القرار الاتحادي أشمل وأكبر من أي قرار محلي، ويغطي الدولة كلها، ولا يعتقدون أن الحكومات المحلية في حاجة إلى إصدار قرارات مشابهة لأنها ستبدو غريبة، فلا أغرب من أن يعلن الإنسان في بلده أن تكون لغة بلاده هي اللغة الرسمية للدولة في المخاطبات والمراسلات والمعاملات الرسمية، لأنه أمر بديهي وفوق كل نقاش وجدل. قد يستغرب البعض قرار مجلس الوزراء بشأن اللغة العربية، لكن النظر العميق إلى بواطن الأمور يظهر أن القرار جاء في وقت بدأت الكثير من المؤسسات تتحول من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، ومن بينها مؤسسات رسمية وشبه رسمية، تأخذ طابع الاستقلالية، ولا نجد مبرراً لمؤسسة تعليمية أن تكون اللغة الرسمية بين الطلاب والطالبات هي اللغة الإنجليزية على سبيل المثال.. ناهيك عن المؤسسات الخاصة التي باتت اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية للعمل فيها، فلا يمكن أن تدخل إلى مستشفى أو فندق أو مطعم وتجد من يتحدث اللغة العربية، بل إنك تتحدث الإنجليزية تلقائيا. لقد أضحى استخدام لغة أخرى غير العربية مثار فخر لدى الناس، تفرح أسر كثيرة وهي ترى أبناءها تنطق بلغة غير عربية، بل صار النطق بلغة أجنبية علامة نبوغ وذكاء، وافتخار وانتماء إلى طبقة راقية، وعكس هذا صحيح، فمن يلتزم باللغة العربية ينظر إليه كثيرون على أنه من زمن مختلف، أو على الأقل، ينظر إليه كإنسان غير متطور وغير متحضر، في الوقت الذي تعزز الدول الأخرى من لغاتها. إذ نادراً ما نسمع فرنسياً يتحدث الإنجليزية وإن أجادها، أو أمريكياً أو إنجليزياً يتحدث الفرنسية وإن أجادها، ويعود هذا للاعتزاز باللغة والنفس والشخصية والثقافة، ولا دخل له بالرقي أو التطور.صحيح أن اللغة الإنجليزية هي لغة التقنية ولغة العولمة وأصبحت ضرورية في عصرنا الحاضر، لكن هذا الواقع ليس مبرراً كافياً لنطمس لغتنا العربية ونستبدلها بلغة أخرى، أو نحول كل مدارسنا لتتحدث وتدرس باللغة الإنجليزية، إذ تبقى اللغة الأم أداة للتواصل بين أفراد المجتمع جيلاً بعد جيل، حتى لو اضطررنا لاستخدام لغة أخرى كي ننهي بعض الأعمال التي تتطلب اللغة العالمية. إننا نلجأ للغات الأجنبية كي نثري ثقافتنا ومعارفنا ونتواصل مع الحضارات الأخرى ونطور إداراتنا ومؤسساتنا لتواكب متطلبات وتحديات العولمة، وليس لكي تكون بديلاً عن لغتنا الأم، رغم أن مؤسسات كثيرة في الدولة جعلت اللغة الإنجليزية بوابتها للتعريف والعبور إلى المتلقي، ومنها مؤسسات رسمية، وتجوال بسيط في المواقع الإلكترونية لبعض المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، نجدها قد استخدمت اللغة الإنجليزية من دون أن تبقي على اللغة العربية كخيار للذين لا يجيدون اللغة الأجنبية، وهو أمر في غاية الخطورة، الذي يعكس صورة غير سليمة للمؤسسة وانتمائها حضارياً وتاريخياً للدولة.إن عصر العولمة لا يعني الذوبان في اللغات الأخرى، ولا تدعو المنظمات العالمية مثل اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم) إلى تذويب اللغات والثقافات، بل على عكس هذا، إنها تدعو إلى إبراز الخصوصية لكل شعب، والمتمثل بالثقافة والتراث بما يشمل من أزياء وفنون وعادات وتقاليد. ولو تحول العالم إلى لغة واحدة وأسلوب حياة واحد، وملامح واحدة لصار مملاً نمطياً غير منوع وغير ثري، ومن المستحيل أن تسود ثقافة على أخرى إلا في حال ذوبان الشخصية الوطنية واندثار تاريخها وثقافتها وحضارتها، وهو أمر لا يصب في مصلحة أي تنمية بشرية على الصعيد القطري أو القومي. إن عالم اليوم، رغم وصفه بالقرية الصغيرة، إلا أنه يبحث عن خصوصياته ويعززها ويؤصلها ويصونها، يحيي تراثه ويسجله في منظمات الأمم المتحدة لصون التراث، فإذا قمنا بالتحول عن لغتنا فإن تراثنا سيكون مهملاً وحضارتنا ستكون هامشية وملامحنا ستخسر أصالتها وعمقها وبعدها الإنساني والتاريخي. نحن نعي أن الخلل في التركيبة السكانية، ووجود جنسيات غير عربية بنسب كبيرة ألقى بظلاله على نظافة اللغة العربية واستخداماتها اليومية والرسمية، ونعي أيضاً أن تأصيل اللغة العربية السليمة في المجتمع ليست مهمة سهلة، لأن اللغات الأجنبية تنطق في بيوتنا على مدار الساعة، وفي مدارسنا طوال اليوم الدراسي، وفي جامعاتنا تنتقل اللغة مع الطالب إلى المنزل. نحن نعي صعوبة هذا الواقع وتحدياته، لكن الانقياد لقوته والانصياع له والاستسلام لمعطياته يشكل خطراً مستقبلياً على الأجيال الصاعدة، وعلى الهوية الوطنية، هذه الهوية التي طالب صاحب السمو رئيس الدولة بتأصيلها والاهتمام بها، لأنها روح المجتمع وبعد الشخصية وعمقها، وهي التي تعكس الثراء الحقيقي لأي أمة، فلا هوية وطنية من دون لغة وطنية، ولا انتماء من دون لغة وطنية. إن على كل المؤسسات السعي إلى تفعيل قرار مجلس الوزراء بالسرعة الممكنة، وعلى المؤسسات الخاصة أن تبادر فتجعل اللغة العربية تدريجياً لغتها الرسمية أو على الأقل لغة التخاطب والمراسلات، أما التعاملات الدولية فلها طبيعة خاصة، رغم أنه بالإمكان فرض اللغة العربية كلغة عالمية، لكن هذا يتطلب معطيات خاصة، لأنها تتعلق بقوة الأمة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً واجتماعياً وثقافياً، وهذا غير متوافر حالياً في ظل التشرذم العربي على كل المستويات.لغتنا العربية من أجمل اللغات وأقواها، كانت في يوم من الأيام لغة التدريس العالمية، وجامعات الأندلس شاهدة على دورها العالمي في إثراء الساحة الأدبية والعلمية، وما تطور الطب في الغرب إلا بسبب مؤلفات (ابن سيناء والرازي في الطب والزهراوي في العلوم الصيدلانية والبيروني في علوم الفلك والفيزياء)، وهي قادرة أن تستعيد مجدها، ولكن بعد أن نستعيد مجدنا وليس ذلك بعصي على أمة إن أرادت الحياة.