يطلق صديقنا الكريم الأستاذ عبد الرحمن الجروان في مقاله في الخليج يوم أمس صرخة استغاثة على الهوية الوطنية في بلداننا الخليجية كلها، لا في الإمارات وحدها.
ويسجل للإمارات أنها نظمت ملتقى لمناقشة هذا الخطر الداهم، علت فيه الأصوات الوطنية الغيورة محذرة من المآل الذي يمكن أن تذهب إليه الأمور في مجتمعاتنا إذا ما استمر الحال على ما هو عليه اليوم، من استجلاب للجنسيات الأجنبية، ومنحها امتيازات الإقامة المفتوحة والاستثمار الذي لا يُحد بحد.
وعبد الرحمن الجروان هذا الصوت الوطني المخلص، بتكوينه العروبي وأفقه الواسع، يضع يديه على مكمن الداء حين ينبه إلى حقيقة أننا، معشر مواطني هذه المنطقة وأبنائها، لسنا أكثر من جزر صغيرة في وسط محيط هائج، محاطين من داخلنا كما من خارجنا بكثافات سكانية هائلة غريبة عنا في الثقافة والتاريخ واللسان، تضيق بها الأرض بما رحبت.
والعجب العجاب أننا ننام كل يوم قريري الأعين، مطمئنين لحاضرنا، لكننا غير آبهين بمستقبلٍ غامضٍ مخيف يتهددنا في العمق، في هويتنا الثقافية والحضارية واللغوية، لأننا باختصار لا نحسن، أو بالأحرى لا نريد، قراءة ما يموج به هذا العالم من مستجدات، حيث تكتسح العولمة في صُورها الاقتصادية والثقافية حدود الدول والأمم، وتقيم عالماً جديداً يراد له أن يكون من لونٍ واحد، لا بل وبلغةٍ واحدة.
لن يصغي إلينا أحد لو قلنا بعد حين إننا أهل هذه المنطقة وسكانها الأصليون، فليس لدى عالمٍ قائم على لغة المال والبزنس هذا القدر من الرهافة أو الحساسية الثقافية والروحية والتاريخية التي تجعله يولي هذا الاعتبار أدنى اهتمام.
مُحق أستاذنا عبد الرحمن الجروان حين يُنبه إلى أن الغلبة في نهاية الأمر للأكثرية، خاصة أن الهجرة الحالية لبلداننا مدعومة بقوة اقتصادية ومادية، تمسك وبشكلٍ منظم بمفاصل مهمة في بُنانا الاقتصادية.
لم يعد هناك من شأنٍ محلي صرف في عالم اليوم. كل شيء بات مُدوَّلاً، فمن يملك القوة الاقتصادية يملك مفاتيح السيطرة، ويعد تشكيل الرموز الثقافية والأنسجة الاجتماعية وفق مقتضيات هذه السيطرة.
وهذا ما تدركه دول كبرى ذات نفوذ ثقافي وحضاري بأبعادٍ كونية، تقاوم بعناد محاولة تهميشها، فيما مجتمعاتنا الصغيرة، الهشة في مستويات حصانتها الثقافية والاجتماعية، تعيش مستسلمة للطوفان الذي يجتاحها، عاجزة عن التبصر في الكارثة المحدقة بها.