وقد تحدث الجانب الأمريكي عقب الزيارة عن إجراء تعديلات على نصوص المبادرة العربية للسلام في ما يتعلق بالحدود، وإمكانية تبادل الأراضي بين إسرائيل والفلسطينيين . وقد أبدت إسرائيل ترحيبها بتبادل الأراضي، في حين أبدت بعض الفصائل الفلسطينية معارضتها، وارتأت في ذلك تنازلاً عن حقوق الشعب الفلسطيني . والواقع أن تعديل مبادرة السلام هو تنازل عربي واضح لمصلحة إسرائيل . لأن مبادرة السلام التي أطلقها العاهل السعودي الملك عبدالله في قمة بيروت العربية التي انعقدت في أواخر مارس/ آذار عام ،2002 تقوم على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام أي أن تنسحب إسرائيل إلى حدود العام 1967 مقابل سلام عربي شامل وكامل معها . وقد ردّت إسرائيل على هذه المبادرة بالقول إنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به، ثم قامت بمحاصرة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في المقاطعة في رام الله حتى تمكنت من اغتياله عام 2004 . كما أنها كثّفت من الاستيطان في الضفة الغربية . وفي السنوات الأخيرة تعالت بعض الأصوات العربية تطالب بسحب مبادرة السلام العربية لعدم جدواها من ناحية، وعدم قبول إسرائيل لها، من ناحية أخرى، لكن هذه المبادرة لم تسحب، بل للأسف جرى تعديلها، وبما يرضي إسرائيل، لأن نصها السابق غير مقبول بالنسبة إليها، لأنه يفرض عليها التخلي عن كل مستوطناتها في الضفة، بما في ذلك مستوطناتها في مدينة القدس التي تعدّها عاصمة أبدية لها .
والنص الجديد للمبادرة يقوم على أساس تبادل الأراضي بين إسرائيل والفلسطينيين، وهذا المبدأ لا يستقيم مع وضع الصراع بين إسرائيل والشعب الفلسطيني . لأن هذا الصراع لا توجد فيه قوتان متوازيتان تحتل كل منهما أراضي في الدولة الأخرى، بل هي قضية أرض مغتصبة . إن القضية الفلسطينية لها طرفان، أحدهما معتدٍ، وهو إسرائيل، والآخر معتدى عليه، وهو الشعب الفلسطيني . إن الإسرائيليين هم الذين اعتدوا على الشعب الفلسطيني، واقتلعوه من دياره، وقتلوا وشردوا الملايين من أبناء هذا الشعب، واستولوا على ديارهم وممتلكاتهم، وسرقوا ماضيهم وحاضرهم وشوّهوا مستقبلهم، فتحول اسم فلسطين إلى اسم إسرائيل، وتحولت القرى والمدن من صبغة عربية واضحة، اسماً ورسماً، إلى صبغة صهيونية غريبة . وبالتالي فإن الحديث عن تبادل الأراضي لا يمكن فهمه إلا في إطار إجبار السلطة الفلسطينية على القبول بما يعطى لها من فتات من الأراضي في الضفة .
والمحزن ليس موقف السلطة فقط، وإن كان مؤلماً، ولكن المخزي فعلاً هو موقف الجامعة العربية، التي أعطت موافقتها على مبدأ تبادل الأراضي مقابل السلام الشامل مع إسرائيل، وهذا يعني أن الشعب الفلسطيني بات أمام خيارين، أحلاهما مرّ، فإما أن يقبل بمبادرة السلام العربية الجديدة، وبالتالي يصبح جزءاً من هذه المبادرة، أو أن يرفض وبالتالي ترفع الجامعة يدها عن القضية الفلسطينية، وتترك لأعضائها حرية إقامة علاقات سلام مع إسرائيل بحجة أن الشعب الفلسطيني لا يريد السلام .
ولا شك في أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تحل بالسلام ولا بالمفاوضات، فالقضية ليست خلافاً على حدود ولا على صفقة تجارية، بل هناك أرض مغتصبة وشعب مشرد، وهناك مئات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين الذين سقطوا منذ بدء المشروع الصهيوني الغادر متواكباً مع الانتداب البريطاني على فلسطين العام ،1922 فهل سينسى الشعب الفلسطيني كل مآسيه، وينسى أرضه المسروقة ويذهب إلى سلام مع إسرائيل لا يعطيه سوى الخيبة والذل والهوان؟
لقد قالت الراحلة أم كلثوم سابقاً: إلى فلسطين طريق واحد يمر من فوهة بندقية . فهذا هو الطريق الذي سيوصل الشعب الفلسطيني إلى استعادة أرضه، وليس المفاوضات (أوسلو) التي ستبلغ عامها العشرين في الثالث عشر من سبتمبر/ أيلول المقبل، رغم أنها بدأت سرية بأوسلو منذ العام 1991 التي كافأت الجاني، ولم تعِد شبراً واحداً من الأرض المسروقة أمام سمع وبصر الدول الكبرى التي تدعي حرصها على مصالح الشعوب .