المسيرة البشرية والنزعة التدميرية

04:57 صباحا
قراءة 3 دقائق

أعلنت الوكالة الفيدرالية الروسية لتدمير الأسلحة الكيميائية 30/5/2011 أن روسيا دمرت نصف مخزونها من الأسلحة الكيميائية، وذلك بموجب التزامها بالمعاهدة الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية . وقد تجاوزت كمية الأسلحة المدمرة عشرين ألف طن من المواد السامة، ما يوازي أكثر من 50% من المخزون البالغ 39 ألفاً و966 طناً . كما قررت ألمانيا إغلاق آخر مفاعلاتها النووية بحلول عام ،2022 لتصبح بذلك أول قوة صناعية تتخلى عن الطاقة النووية .

تأتي هذه الخطوات العملية لتدمير هذه الأسلحة الفتاكة، بينما يعيش العالم اليوم في ظل انهيار وانحلال المبادئ الأخلاقية السياسية، نتيجة الاستبداد والقمع والظلم وألوان الشقاء، وإهدار كل القيم والاستقلال والكرامة والحرية، والتفاعل بين ما هو مادي وما هو روحي والذي اتخذ طابعاً مضراً كل الإضرار بمستقبل البشرية جمعاء، فقد كتب المفكر البريطاني الراحل برتراند راسل في عام 1925 مقالاً عن مستقبل العالم، قال فيه إن الأمم في حركة مستمرة دائماً فهي طوراً إلى الأمام وطوراً إلى الخلف، كما أن للأفراد سنناً ثابتة من صبا وشباب وكهولة وشيخوخة، ومن صحة ومرض وقوة وضعف، كذلك شأن الأمم، لها قوانين لحياتها وفنائها وصحتها ومرضها . ومن القوانين العامة في الأمم أن الظلم والبغي والفساد سبب في انحطاط الأمم وضعفها وهلاكها، وإذا تفرقت الأمم شيعاً وأحزاباً يضرب بعضها بعضاً ويحارب بعضها بعضاً حق عليها الفناء .

فأي أمة عندما تعمل لمصلحتها الخاصة ولا تعترف بأي مصلحة لغيرها، وتزعم أنها أحق بالسيادة على الأمم الأخرى بسبب قوتها المادية أو العسكرية، إنما تكرس بذلك حب العظمة والسيطرة والاعتزاز بالقوة ويكون من أثر هذا إخضاع الأمم الأخرى وإذلالها واستغلال مواردها، نتيجة لامتلاكها صناعة الطاقة النووية المدمرة من حيث حراريتها وفاعليتها الشعاعية والتي لا تهدد عناصر الطبيعة بالفناء فحسب، بل تهدد الإنسان وكل حياة عضوية على ظهر هذا الكوكب، وكذلك صناعة الأسلحة الفتاكة مثل أسلحة الليزر وأسلحة الإشعاع والصواريخ العابرة للقارات والغواصات النووية، وزرع الألغام في الفضاء لتدمير السفن الفضائية .

كل هذا أدى إلى الانحراف عما فيه مصلحة المجموعة البشرية عامة حتى أصبح العالم قاطبة هو عالم الاضطراب والقلق والخوف والأمراض العصبية والنفسية والذي ينذر بهلاك البشرية، نتيجة الحروب التي تؤدي إلى المنعطفات الكبرى للخراب والدمار . فبالحرب انتهت وزالت أغلب الأمم وساهمت الحروب في تغييرات جذرية لدى الشعوب، ولكن أخطرها الحروب النووية إن انفجرت فسوف تؤدي إلى سقوط القوى العظمى، وتكون الخاتمة لأخطائها ومآسيها في النظرية والتطبيق، مما سيعجل بتدهورها وتآكلها اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وستقطع كل رابط يربط الإنسان بالكون الكبير، وكذلك إلى طمس دور الإنسان في التاريخ وجعله فاقداً لكل حول في تقرير مصيره، وذلك على الرغم من كل ما بلغته الحضارة المادية من سرعة هائلة ومتغيرة في الابتكارات التكنولوجية الواقعية، بمعنى الوجود الواقعي للفكر والأعمال الفنية والعقلانية، وانتشار العلم ووسائل المدنية ورقي الصناعة .

إن ما ذكره الفيلسوف شترواس من خلال منهجه البنيوي أن الإنسان يظل في كل عصر من العصور هو الإنسان، وأن الجوهر الأساسي للروح لا يتغير، بحيث تظل ماثلة في كل إنجازات العلم المعاصر، لإيمانه بأن حركة التاريخ عبارة عن انبثاقات تتم من داخل البنى، ويكون التحول في البنيوية المادية والنسق الميكانيكي التي تعمل بطريقة لا شعورية من وراء الوعي (المادية الجدلية والمحضة)، وانعتاق مبادئ المادية الجدلية وفنائها والتشكيك في صحة ما يمكن أن يذهب إليه الإنسان من انتماء، وما يؤمن به من عقيدة، بل إن كل اعتداد بالايديولوجيا ليس سوى إرادة ايديولوجية رأسمالية لتحطيم التطور الحضاري وتكريس سياسة الفناء .

إن التنبؤات والتيارات الفكرية المتطرفة تلقي بظلال سوداء كثيفة على مستقبل المسيرة البشرية . وما تنبأ به الفيلسوف البريطاني راسل الذي عاش قرناً بأكمله، وظل طوال حياته يمارس الأنشطة السياسية، ويكتب عن آلام الحياة وظلالها وهداها ومتناقضاتها وأحوالها المضطربة المتغايرة ونزعاتها، إنما يؤكد أن بناء القوة الحربية يمثل الصورة الأساسية للقوة التي تبنى خارج التاريخ وناموس الأخلاق والعلم، مما أدى إلى زوال بعض الأمم وانطماسها بسبب الطغيان والاستبداد الذي يحطم مصير الإنسان ومستقبله، وجوهر وجوده وشمولية المسيرة البشرية .

* كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"