استأنفت اليابان، الأسبوع الماضي، تشغيل أول مفاعل نووي بالوحدة رقم 3 في محطة أوهي (غرب البلاد) . وكانت اليابان قد أغلقت 50 مفاعلاً من أجل إخضاعها إلى صيانة روتينية عقب الزلزال المدمر وموجات المد . كما أعلن وزير الدفاع الياباني أن نظام الدفاع المضاد للصواريخ الذي تعده اليابان والولايات المتحدة معاً لحماية الجزر اليابانية من التهديد -خاصة التهديد الكوري الشمالي- سيدخل مرحلة التطوير اعتباراً من العام المقبل . وأضاف أن وزارة الدفاع اليابانية سترصد مليارات عدة من موازنتها السنوية لهذا المشروع . وكانت الولايات المتحدة قد قررت منذ أواخر التسعينات بناء درع صاروخي، بدعوى حماية أراضيها وأراضي حلفائها من الصواريخ التي قد تأتي من دول تصنفها الولايات المتحدة بأنها معادية . ويقوم الدرع الصاروخي على أساس بناء صواريخ مضادة للصواريخ، مزوّدة بأجهزة ذات حساسية عالية تستشعر الهجمات بالصواريخ، وتعطي الأوامر للصواريخ المضادة بالانطلاق؛ لتفجير الصواريخ المهاجمة في الجو، قبل وصولها إلى أهدافها على الأرض .
وقد لقيت فكرة الدرع الصاروخي انتقادات كثيرة، وتحدّث الكثيرون من الخبراء العسكريين عن عدم نجاعة هذا الدرع، وخاصة في صدّ الصواريخ المزوّدة برؤوس نووية، فمثلاً، إذا اعترض صاروخ مضاد للصواريخ صاروخاً يحمل رأساً نووياً، وقام بتفجيره في الجو، فإن رأس الصاروخ المنفجر سوف يسقط على الأرض، محدثاً دماراً كبيراً مكان سقوطه الذي قد يقع بدولة حليفة للولايات المتحدة . فلو أطلقت كوريا الشمالية صاروخاً عابراً مزوداً برأس نووي نحو الولايات المتحدة، وقام الدرع الصاروخي باعتراض هذا الصاروخ وتفجيره، فإن الرأس النووي قد يسقط في أوروبا، وهي من أهم حلفاء الولايات المتحدة في العالم . وكذلك، فإن الخصم قد يطور صواريخ ذات رؤوس قادرة على الاستمرار في سيرها نحو هدفها حتى لو تم تدمير جسمها، وبالتالي فإنه حتى لو تم تدمير جسم الصاروخ بفعل الدرع الصاروخي، فإن الرأس سيتابع مسيره حتى يصل إلى هدفه . وربما يكون الصاروخ نوعاً من الصواريخ التي تُسمى الشيطان، هذا الصاروخ مزوّد بثلاثة رؤوس، ومثل هذا النوع من الصواريخ الذي تمتلكه روسيا والصين وربما كوريا الشمالية، يستطيع الإفلات من الصواريخ المضادة . لكن على الرغم من هذه الانتقادات للدرع الصاروخي ولعدم فاعليته، إلاّ أن الولايات المتحدة تبدو مصرة على متابعة السير في هذا المشروع حتى النهاية . بل إنها راحت تسعى لدى حلفائها إلى أخذ موافقتهم على نشر هذا الدرع على أراضيها؛ لكن كندا الجار القريب والحليف الوثيق للولايات المتحدة، رفضت رفضاً قاطعاً السماح بنشر الدرع الصاروخي على أراضيها، وأكدت أنها غير مستهدفة من أحد، وأنه لا يوجد لها أعداء في العالم . لكن اليابان الجار البعيد والحليف في الوقت نفسه للولايات المتحدة، قبلت نشر هذا الدرع على أراضيها بدعوى الخوف من كوريا الشمالية . ولها الحق في هذه المخاوف، فإن كوريا الشمالية تشكّل تحدياً كبيراً ليس لليابان فقط، بل للولايات المتحدة وكوريا الجنوبية كذلك . فهي دولة تمتلك ترسانة عسكرية كبيرة، ولديها برنامج متقدم للصواريخ، ولديها كذلك برنامج للسلاح الذري، وهي تمتلك صواريخ مزوّدة برؤوس نووية موجّهة صوب اليابان والولايات المتحدة . ومنذ سنتين أطلقت كوريا الشمالية على سبيل التجربة، صاروخاً فوق الأرخبيل الياباني وقد سقط في المحيط الهادئ شرق اليابان .
والواقع أن تذرع اليابان بالخوف من كوريا الشمالية ليس كافياً لتبرير إقدامها على بناء درع صاروخي؛ لأن اليابان بذلك تريد تبرير عودتها إلى ماضيها العسكري الاستعماري، لكن تحت العباءة الأمريكية هذه المرة . فمنذ الهزيمة الكبرى التي مُنيت بها في الحرب العالمية الثانية على يد الحلفاء الولايات المتحدة وبريطانيا سارت اليابان على نهج سلمي فرض عليها من قبل المنتصرين . فقد أصبحت محمية بالمظلة العسكرية الأمريكية، ومُنعت من تشكيل جيش أو قوات حربية خاصة بها، باستثناء بعض القوات الضرورية لحفظ الأمن في البلاد . وخلال سنوات الحرب الباردة، ركّزت اليابان على الاقتصاد، وبفضل المساعدات الاقتصادية التي قدمتها الولايات المتحدة لها خوفاً من وقوعها في قبضة الشيوعية، فقد أصبحت قوة اقتصادية كبرى في آسيا والعالم، بل إن اليابان هي الدولة الجنوبية الوحيدة في منظمة الدول السبع الأكثر تصنيعاً في العالم . وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي بداية التسعينات من القرن الماضي، تغيّرت الخريطة الجيوسياسية في الشرق الأقصى والعالم . فقد برزت الصين قوة عالمية جديدة، وبدأت الولايات المتحدة تتلمّس الخوف منها، وقررت محاصرتها بالوسائل الممكنة كافة لمنع صعودها إلى قمة العالم . وكان من الضروري والحال هذه، إعادة اليابان إلى الخارطة العسكرية والسياسية في الشرق الأقصى . فبدأت الولايات المتحدة تدفع اليابان إلى التخلي عن المادة التاسعة من الدستور الياباني الذي فرضته هي على اليابان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي تحظر على اليابان امتلاك جيش وقوات عسكرية وحربية . وما لبثت اليابان أن خرجت من عزلتها، فأرسلت قوات عسكرية لمساعدة الولايات المتحدة على تثبيت الأمن في العراق وأفغانستان، وبدأت تسعى إلى تطوير جيشها وقواتها الحربية، وأعلنت وقوفها مع تايوان ضد الصين ومع كوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية، وبدا واضحاً أن الوضع في الشرق الأقصى يتجه نحو التصعيد . وبدا واضحاً أيضاً، أن اليابان تتجه لتكون لاعباً أساسياً في هذه المنطقة من العالم، بهدف منافسة الصين وإدخالها في دائرة الصراع، بشكل دائم، من أجل عرقلة نموها الاقتصادي .
لكن إلى أي مدى قد تنجح الولايات المتحدة في خططها الرامية إلى محاصرة الصين؟ الواقع أن الصين شبّت عن الطوق وبات وصولها إلى قمة العالم مسألة وقت لا أكثر . ولعل الولايات المتحدة تعرف هذه الحقيقة، ولعلها تريد إشعال حرب في الشرق الأقصى لكبح جماح الصين من منطلق أن آخر الدواء الكيّ . وربما من أجل ذلك تريد بناء درع صاروخي في اليابان؛ لاعتراض الصواريخ الصينية التي قد تنطلق في أي حرب أمريكية قد تشنّ ضد الصين في المستقبل .