ما كل هذا العنف الذي ينهش جسد البشرية في العالم؟ عنف في البيوت، وعنف في المدارس، وعنف في الشوارع، يقابله للأسف إهمال من قبل الأهل لأبنائهم وعدم وعي لمدى خطورة هذا الإهمال وعواقبه .
فالعقل يقف عاجزاً عن التفكير أمام جريمة الاعتداء التي هزتنا صباح يوم العيد، ووقع ضحيتها طفل في الخامسة من عمره، اعتدى عليه شاب مخمور يبلغ الثلاثين في حمام إحدى دور العبادة، وقد استكمل الجريمة بقتل الضحية ورميها . كل الكلمات تضعف أمام قبح هذه الجريمة، وكل المشاعر تسمو احتراماً لعذاب النفس المتألمة ولرهبة الحدث . كلنا نصبح آباء وأمهات ذلك الطفل، ولا أحد يسأل عن هويته وانتمائه . فهو ينتمي للكائنات البشرية التي ميزها الله عن الحيوانات بالعقل والمشاعر، والتي من المفترض أن تعرف التمييز بين الخير والشر، ولا يعيش وسط أسود ووحوش في الغابة . هو طفل بريء لا يعرف ما تضمره بعض النفوس المريضة، ولا يفهم أن خداع الإنسان لأخيه الإنسان يمكن أن يصل إلى حدود قتل الضمير قبل قتل جسد الضحية، وهو أصغر من أن يفهم أن للغدر ألف وجه ووجه، وأن للإنسان قدرة على تغليف الخداع بأحلى الكلام وأجمل الوعود من أجل الحصول على مآرب رخيصة ومقززة . .
ما يهزنا فعلاً أن تقع جريمة بهذه البشاعة في دولة مثل الإمارات، المسالمة الآمنة الأمينة على كل من يعيش على أرضها . ونحن نعلم جيداً أنها لو وقعت في أي دولة عربية أخرى، لما استطاعت الشرطة التحرك بسرعة والوصول إلى الجاني خلال ساعات قليلة من وقوع الجريمة، كما فعلت شرطة دبي . حتى في الدول الأوروبية التي تشهد عمليات اختطاف واغتصاب وقتل للأطفال، لا تتحرك الأجهزة الأمنية بهذه السرعة . لذلك تذهلنا الجريمة ونرفض أن تتحول إلى واقع وأمر مألوف، رغم الدراسات التي تؤكد ازدياد ظاهرة العنف والجرائم في العالم، لأننا شركاء في المسؤولية تجاه مجتمعاتنا إلى جانب الأجهزة الرسمية، وبإمكاننا الحد من هذه الظواهر المرفوضة . كيف؟
يكفي أن نحيط أبناءنا بالرعاية اللازمة، وأن نخاف عليهم بالقدر الذي يجنبهم الوقوع ضحايا المجرمين وأصحاب النفوس المريضة . فدورنا لا يقتصر على الخوف والبكاء بعد وقوع المصائب، ولا أن نستسلم لفكرة الأقدار، بل أن نكون الدرع الذي يحمي الأبناء من المخاطر بكل أنواعها . فكم مرة سمعنا عن أطفال ماتوا اختناقاً بسبب نسيان أو ترك أهلهم لهم داخل السيارة مدة طويلة في الحر؟ وكم مرة دهست حافلة المدرسة أحد التلاميذ بعد نزوله وحيداً منها بسبب غياب المشرف ومن ينتظره من الأهل؟ وكم من طفل يتوه في المجمعات التجارية من دون أن ينتبه الأهل إلى غيابه؟
كلنا نحب أطفالنا، لكن الحب وحده لا يحميهم، ولا يعيدهم إلينا سالمين .
smarlyn@hotmail .com